الجزء الثاني: من الميدان إلى التمكين.. محاميات المحافظات يواجهن تحديات الواقع ويرسمن ملامح المستقبل
إذا كانت النقابة المركزية في دمشق تضع السياسات العامة، فإن الفروع الميدانية للجنة المرأة المحامية تمثل خط المواجهة الأول مع التحديات اليومية التي تواجه المحاميات في المحافظات. وبين ريف دمشق وحماة تتباين الظروف والاحتياجات، لكن الهدف يبقى واحداً: تعزيز حضور المرأة في مهنة المحاماة وتمكينها من أداء دورها المهني والمجتمعي على أكمل وجه.
ريف دمشق.. جغرافيا واسعة وتحديات التدريب
من قلب فرع ريف دمشق، تصف عضو النقابة الأستاذة هيام وهبة واقعاً تفرض فيه الجغرافيا نفسها على تفاصيل العمل النقابي؛ إذ يشكل الامتداد الجغرافي الواسع للريف وتباعد مناطقه عائقاً أمام عدد من المحاميات المتدربات اللواتي يجدن صعوبة في الوصول إلى مراكز التدريب الرئيسية الموجودة في العاصمة دمشق.
ولمعالجة هذه المشكلة، تعمل اللجنة على إنشاء مراكز تدريبية فرعية موزعة في مختلف مناطق الريف، بما يضمن تكافؤ الفرص أمام المحاميات الشابات ويمنع ضياع فرص التدريب والتأهيل المهني. وترى وهبة أن هذه التحديات اللوجستية لا تنعكس على فرص المرأة في تولي القضايا الكبرى، في ظل انتشار المحاكم في مختلف المناطق ووجود تعاون مهني راسخ بين المحامين في أنحاء البلاد.
حماة.. فجوة القضايا المعقدة وتحدي النظرة المجتمعية
في المقابل، تقدم الأستاذة هيفاء دوري، التي تمتلك خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود في مهنة المحاماة، رؤية مختلفة لطبيعة التحديات في محافظة حماة. فبرأيها لا تمثل الجغرافيا عائقاً حقيقياً، نظراً لانتشار المحاكم في مدن المحافظة مثل محردة والسقيلبية والسلمية ومصياف، إلا أن الإشكالية الأساسية تكمن في طبيعة القضايا المطروحة.
وتوضح دوري أن العاصمة تستحوذ على الجزء الأكبر من القضايا المعقدة والكبرى، مثل قضايا التحكيم والتجارة الدولية والجرائم الاقتصادية، الأمر الذي يحدّ من فرص المحامين والمحاميات في المحافظات لاكتساب الخبرة في هذه الملفات النوعية.
أما على المستوى المجتمعي، فتشير إلى استمرار بعض الأنماط التقليدية في النظرة إلى المرأة العاملة في المجال القانوني، حيث لا يزال بعض الموكلين يمنحون ثقتهم للرجل بصورة أسرع، خصوصاً في القضايا الجنائية الكبرى أو العقود التجارية الضخمة. لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن نجاح المحاميات في إدارة الملفات القانونية وتحقيق النتائج الإيجابية أسهم تدريجياً في تغيير هذه النظرة وتعزيز الثقة بقدراتهن المهنية.
من التمكين المهني إلى التمكين المجتمعي
لا يقتصر دور لجنة المرأة المحامية على الشأن المهني فقط، بل يمتد إلى المجال المجتمعي والتوعوي. ففي ريف دمشق، تنظم اللجنة مبادرات ومحاضرات بالتعاون مع عدد من الجهات والمنظمات بهدف رفع الوعي القانوني لدى النساء وتعريفهن بحقوقهن وأدوارهن في المجتمع.
وفي حماة، يجري العمل على إعداد برامج توعوية تستهدف النساء بشكل خاص، انطلاقاً من قناعة بأن تمكين المرأة ينعكس إيجاباً على الأسرة والمجتمع ككل. كما تتواصل الجهود لتفعيل برامج المعونة القانونية وتطوير الأنشطة الداعمة للمحاميات الشابات وتأهيلهن مهنياً.
رؤية مستقبلية.. بين التمثيل والكفاءة
تتباين الآراء داخل الفروع بشأن آليات تعزيز حضور المرأة في مواقع صنع القرار. ففي حين يرى بعض أعضاء اللجنة أهمية زيادة التمثيل النسائي في المجالس النقابية بما يتناسب مع أعداد المحاميات، تطرح الأستاذة هيفاء دوري رؤية أوسع تقوم على اعتبار المرأة مواطنة كاملة الحقوق، وأن معيار الوصول إلى مواقع المسؤولية يجب أن يبقى مرتبطاً بالكفاءة والإنجاز المهني إلى جانب توفير فرص عادلة ومتساوية للجميع.
وفي إطار السعي إلى جعل بيئة العمل القانونية أكثر ملاءمة للمرأة، تطرح لجان المرأة المحامية مجموعة من المقترحات العملية، من بينها توفير دور حضانة قريبة من مقار النقابات والمحاكم، وتطوير سياسات أكثر مرونة تتعلق بإجازات الأمومة ومواعيد الجلسات، إضافة إلى تعزيز خدمات التأمين الصحي للمحاميات وأسرهن وإنشاء مراكز تقدم الاستشارات القانونية والاجتماعية للأسر.
وتنسجم هذه الرؤى مع توجهات لجنة المرأة المحامية على المستوى المركزي، بقيادة الدكتورة سميرة الوتار، والتي تعمل على توسيع شبكة التعاون مع الهيئات الحقوقية والمدنية والمؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان، إلى جانب بناء شراكات تدريبية مع جهات دولية متخصصة.
وبين التحديات المهنية والاجتماعية والطموحات المستقبلية، تؤكد تجربة المحامية السورية أن دورها لم يعد يقتصر على الدفاع عن موكليها داخل قاعات المحاكم، بل بات يمتد إلى المساهمة في صياغة رؤى مجتمعية أكثر عدالة، وترسيخ قيم المواطنة والمساواة وسيادة القانون.