الحداثة ترتدي أقنعة القدماء.. قراءة في كتاب ثائر زين الدين عن حضور التراث في ‏الشعر المعاصر

الجمعة, 12 يونيو - 2026
غلاف كتاب الشعر يرتدي اقنعة القدماء
غلاف كتاب الشعر يرتدي اقنعة القدماء

ليس التراث في الكتاب الصادر حديثاً بعنوان “الشعر يرتدي أسماءه القديمة: استلهام ‏شخصيات من التراث الأدبي في الشعر العربي المعاصر” للدكتور ثائر زين الدين، زمناً ‏منتهياً أو أسماء محفوظة في ذاكرة بعيدة، بل طاقة حية تعود إلى القصيدة الحديثة بأقنعة ‏المتنبي وديك الجن الحمصي وأبي فراس الحمداني، لتكشف مفارقة لافتة مفادها أن الشعر ‏العربي المعاصر، كلما أوغل في حداثته، استدعى الماضي ليعبّر من خلاله عن قلق ‏الإنسان الراهن وانكساراته وأحلامه المؤجلة.‏

يتضمن الكتاب مدخلاً نظرياً موسعاً يفكك ظاهرة استلهام الشخصيات التراثية، ورصد ‏تحولها التاريخي في الشعر العربي الحديث، ويوضح أن هذه الظاهرة مرت بمرحلتين ‏رئيسيتين: الأولى مرحلة “تسجيل الشخصية”، حيث يقوم الشاعر بإحياء الشخصية ‏وتسجيل حياتها والحوادث التي مرت بها كما فعل شعراء مدرسة الإحياء والثانية مرحلة ‌‏”توظيف الشخصية”، وهي الأكثر نضجاً، حيث تتحول الشخصية من مادة حكائية جامدة ‏إلى رمز نابض بالدلالات.‏

التراث طاقة شعرية متجددة

يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسة، وقائمة مصادر ومراجع غنية، ودراسة نقدية تجمع ‏بين التنظير الأكاديمي والتطبيق العملي، وينطلق المؤلف من سؤال مركزي ظل يشغل ‏النقاد والباحثين لعقود، كيف يتعامل الشاعر العربي المعاصر مع تراثه الأدبي؟ وما ‏الآليات التي يعتمدها في استدعاء شخصيات الماضي وتحويلها إلى نصوص حاضرة؟، ‏موضحا أن الإنسان المعاصر قادر على التعبير عن قضاياه من قلق واغتراب وصراع ‏وتكسر أحلام.‏

ويستند المؤلف إلى جملة من الأبعاد، أبرزها البعد الفني الذي يمثل الرغبة في إضفاء ‏الموضوعية والدرامية على العاطفة الغنائية، والابتعاد عن طغيان الذاتية الرومانسية، والبعد ‏الفكري المتضمن البحث في التراث عن قيم إنسانية وروحية، قادرة على رفد الشعر بمزيد ‏من العمق والأصالة والبعد النفسي، والذي يمنح الشاعر فرصة للخروج من الذاتية الضيقة ‏إلى تجربة الإنسان في كل عصر.‏

المتنبي وديك الجن.. أقنعة القلق والجرح

يستحضر الكتاب في الفصل الأول شخصية أبي الطيب المتنبي، شاعر القرن الرابع ‏الهجري، الذي يعود بقوة في الشعر العربي المعاصر ليعبّر عن مأساة المثقف العربي، ‏ويتتبع حضوره عند أربعة من كبار الشعراء المعاصرين، وهم محمود درويش، وعبد ‏الوهاب البياتي، وأمل دنقل، وأدونيس، لنرى المتنبي بعين التحديث والتجديد، وبناء رمزية ‏مغايرة تتماشى مع رؤيته الحداثية للشعر والتراث.‏

وينتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى شخصية أقل حضوراً في المكتبة النقدية، لكنها ‏شديدة الخصوبة والغنى وهي ديك الجن الحمصي، شاعر العصر العباسي المعروف ‏بعبقرية حزنه وغرابة حياته، وصاحب القصة المأسوية مع جاريته “ورد” التي قتلها غيظاً ‏ثم مات عليها أسفاً.‏

ويركز الباحث على تقنيتين رئيسيتين في التعامل مع هذه الشخصية الأولى الاتحاد ‏بشخصية ديك الجن (تقنية القناع الكلي) وثانيها الانفصال عن الشخصية والاتحاد بها ‏ويحلل كل من عمر أبو ريشة، ونزار قباني وشوقي بزيع.‏

أبو فراس الحمداني.. من أسر العدو إلى أسر الذات

الفصل الأخير في الكتاب يتناول شخصية أبي فراس الحمداني، صاحب “الروميات” ‏الشهيرة التي نظمها في الأسر، ويوضح المؤلف أن الشعراء المعاصرين استلهموا أبا فراس ‏لسببين رئيسيين؛ أولهما تجربة الأسر التي تحولت من الأسر الجسدي عند أبي فراس إلى ‏استعارة للأسر السياسي والنفسي عند المعاصرين، وثانيهما ثنائية الفارس والشاعر أي ‏الصراع الداخلي بين القوة والهشاشة، بين السيف والقلم، بين الانتصار في المعركة ‏والهزيمة في السياسة.‏

كما يحلل الفصل حضور أبي فراس عند ثلاثة شعراء وهم عبد الوهاب البياتي ومحمود ‏درويش وراتب سكر، مشيرا إلى تحول أبي فراس الحمداني من شخصية تاريخية محددة ‏إلى “أرشيف رمزي مفتوح”، يمكن توظيفه في سياقات متعددة من الأسير السياسي إلى ‏العاشق المخذول، ومن الشاعر المتمكن إلى المقاتل الجريح.‏

ويختم الكتاب بالتأكيد على فكرة مركزية تتلخص في أن التراث ليس سجن الحداثة ولا ‏عائقاً أمام التجديد، بل هو معين متجدد يمكن للشاعر أن يستلهمه بشرط أن يقرأه “قراءة ‏خلاقة، قادرة على تحريره من زمنه القديم، كما يؤكد أن نجاح الشاعر في استلهام ‏شخصية تراثية يقاس بقدرته على جعلها تتكلم لغة اليوم، وتتألم بآلام المعاصرين، وتحلم ‏بأحلامهم، دون أن تفقد هويتها الأولى.‏

لمحة عن الكتاب والمؤلف:‏

كتاب “الشعر يرتدي أسماءه القديمة: استلهام شخصيات من التراث الأدبي في الشعر ‏العربي المعاصر”، صادر عن دار كوزال في إسطنبول، من القطع المتوسط /180 / ‏صفحة، أما المؤلف والمترجم ثائر زين الدين فهو شاعر ومترجم وناقد سوري، مهندس ‏متخرج من جامعة دمشق حاصل على درجة الدكتوراه من موسكو، صدر له نحو 75 ‏كتاباً في مجالات الشعر والترجمة والنقد، ومنها سيدة الفراشات، ومن ترجماته عودة ‏الإنسان والحياة والمصير، ومن نقده كتاب أبو الطيب المتنبي في الشعر العربي ‏المعاصر.