ليس التراث في الكتاب الصادر حديثاً بعنوان “الشعر يرتدي أسماءه القديمة: استلهام شخصيات من التراث الأدبي في الشعر العربي المعاصر” للدكتور ثائر زين الدين، زمناً منتهياً أو أسماء محفوظة في ذاكرة بعيدة، بل طاقة حية تعود إلى القصيدة الحديثة بأقنعة المتنبي وديك الجن الحمصي وأبي فراس الحمداني، لتكشف مفارقة لافتة مفادها أن الشعر العربي المعاصر، كلما أوغل في حداثته، استدعى الماضي ليعبّر من خلاله عن قلق الإنسان الراهن وانكساراته وأحلامه المؤجلة.
يتضمن الكتاب مدخلاً نظرياً موسعاً يفكك ظاهرة استلهام الشخصيات التراثية، ورصد تحولها التاريخي في الشعر العربي الحديث، ويوضح أن هذه الظاهرة مرت بمرحلتين رئيسيتين: الأولى مرحلة “تسجيل الشخصية”، حيث يقوم الشاعر بإحياء الشخصية وتسجيل حياتها والحوادث التي مرت بها كما فعل شعراء مدرسة الإحياء والثانية مرحلة ”توظيف الشخصية”، وهي الأكثر نضجاً، حيث تتحول الشخصية من مادة حكائية جامدة إلى رمز نابض بالدلالات.
التراث طاقة شعرية متجددة
يتضمن الكتاب ثلاثة فصول رئيسة، وقائمة مصادر ومراجع غنية، ودراسة نقدية تجمع بين التنظير الأكاديمي والتطبيق العملي، وينطلق المؤلف من سؤال مركزي ظل يشغل النقاد والباحثين لعقود، كيف يتعامل الشاعر العربي المعاصر مع تراثه الأدبي؟ وما الآليات التي يعتمدها في استدعاء شخصيات الماضي وتحويلها إلى نصوص حاضرة؟، موضحا أن الإنسان المعاصر قادر على التعبير عن قضاياه من قلق واغتراب وصراع وتكسر أحلام.
ويستند المؤلف إلى جملة من الأبعاد، أبرزها البعد الفني الذي يمثل الرغبة في إضفاء الموضوعية والدرامية على العاطفة الغنائية، والابتعاد عن طغيان الذاتية الرومانسية، والبعد الفكري المتضمن البحث في التراث عن قيم إنسانية وروحية، قادرة على رفد الشعر بمزيد من العمق والأصالة والبعد النفسي، والذي يمنح الشاعر فرصة للخروج من الذاتية الضيقة إلى تجربة الإنسان في كل عصر.
المتنبي وديك الجن.. أقنعة القلق والجرح
يستحضر الكتاب في الفصل الأول شخصية أبي الطيب المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، الذي يعود بقوة في الشعر العربي المعاصر ليعبّر عن مأساة المثقف العربي، ويتتبع حضوره عند أربعة من كبار الشعراء المعاصرين، وهم محمود درويش، وعبد الوهاب البياتي، وأمل دنقل، وأدونيس، لنرى المتنبي بعين التحديث والتجديد، وبناء رمزية مغايرة تتماشى مع رؤيته الحداثية للشعر والتراث.
وينتقل الكتاب في الفصل الثاني إلى شخصية أقل حضوراً في المكتبة النقدية، لكنها شديدة الخصوبة والغنى وهي ديك الجن الحمصي، شاعر العصر العباسي المعروف بعبقرية حزنه وغرابة حياته، وصاحب القصة المأسوية مع جاريته “ورد” التي قتلها غيظاً ثم مات عليها أسفاً.
ويركز الباحث على تقنيتين رئيسيتين في التعامل مع هذه الشخصية الأولى الاتحاد بشخصية ديك الجن (تقنية القناع الكلي) وثانيها الانفصال عن الشخصية والاتحاد بها ويحلل كل من عمر أبو ريشة، ونزار قباني وشوقي بزيع.
أبو فراس الحمداني.. من أسر العدو إلى أسر الذات
الفصل الأخير في الكتاب يتناول شخصية أبي فراس الحمداني، صاحب “الروميات” الشهيرة التي نظمها في الأسر، ويوضح المؤلف أن الشعراء المعاصرين استلهموا أبا فراس لسببين رئيسيين؛ أولهما تجربة الأسر التي تحولت من الأسر الجسدي عند أبي فراس إلى استعارة للأسر السياسي والنفسي عند المعاصرين، وثانيهما ثنائية الفارس والشاعر أي الصراع الداخلي بين القوة والهشاشة، بين السيف والقلم، بين الانتصار في المعركة والهزيمة في السياسة.
كما يحلل الفصل حضور أبي فراس عند ثلاثة شعراء وهم عبد الوهاب البياتي ومحمود درويش وراتب سكر، مشيرا إلى تحول أبي فراس الحمداني من شخصية تاريخية محددة إلى “أرشيف رمزي مفتوح”، يمكن توظيفه في سياقات متعددة من الأسير السياسي إلى العاشق المخذول، ومن الشاعر المتمكن إلى المقاتل الجريح.
ويختم الكتاب بالتأكيد على فكرة مركزية تتلخص في أن التراث ليس سجن الحداثة ولا عائقاً أمام التجديد، بل هو معين متجدد يمكن للشاعر أن يستلهمه بشرط أن يقرأه “قراءة خلاقة، قادرة على تحريره من زمنه القديم، كما يؤكد أن نجاح الشاعر في استلهام شخصية تراثية يقاس بقدرته على جعلها تتكلم لغة اليوم، وتتألم بآلام المعاصرين، وتحلم بأحلامهم، دون أن تفقد هويتها الأولى.
لمحة عن الكتاب والمؤلف:
كتاب “الشعر يرتدي أسماءه القديمة: استلهام شخصيات من التراث الأدبي في الشعر العربي المعاصر”، صادر عن دار كوزال في إسطنبول، من القطع المتوسط /180 / صفحة، أما المؤلف والمترجم ثائر زين الدين فهو شاعر ومترجم وناقد سوري، مهندس متخرج من جامعة دمشق حاصل على درجة الدكتوراه من موسكو، صدر له نحو 75 كتاباً في مجالات الشعر والترجمة والنقد، ومنها سيدة الفراشات، ومن ترجماته عودة الإنسان والحياة والمصير، ومن نقده كتاب أبو الطيب المتنبي في الشعر العربي المعاصر.