في جلسة رسمية عقدها مجلس الأمن الدولي اليوم الأربعاء، قدّم نائب المبعوث الخاص للأمين العام إلى سوريا، كلاوديو كوردوني، إحاطة مطولة رسمت صورة مركبة للمشهد السوري، تتداخل فيها مؤشرات التهدئة مع استمرار عوامل الهشاشة البنيوية والتوترات الإقليمية.
كوردوني: الأسابيع الأخيرة شهدت قدرًا من التقدّم في مسار الاستقرار، حيث تمكنت سوريا، رغم تعقيدات المشهد الإقليمي، من تجنب الانزلاق الكامل إلى دوامة الأزمات المحيطة بها
واستهل المسؤول الأممي مداخلته بالإشارة إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت قدرًا من التقدّم في مسار الاستقرار، حيث تمكنت سوريا، رغم تعقيدات المشهد الإقليمي، من تجنب الانزلاق الكامل إلى دوامة الأزمات المحيطة بها. غير أن هذا التقدّم، بحسب وصفه، تحقق “في مواجهة احتمالات ضئيلة” وبالتوازي مع انتهاكات متكررة لسيادة البلاد.
وفي مقابل هذا التحسن النسبي، شدد كوردوني على أن الضغوط الاقتصادية والمؤسساتية والاجتماعية، إلى جانب استمرار مظاهر انعدام الأمن على المستوى المحلي، لا تزال تشكل عوائق حقيقية أمام الانتقال السياسي، ما يستدعي تعزيز بنية الدولة، وترسيخ السلم الأهلي، والعمل على إعادة دمج سوريا في المنظومة الدولية اقتصاديًا ودبلوماسيًا، وهي مسارات تحظى بدعم مباشر من الأمم المتحدة.
وفي سياق التوترات الأمنية، خصّصت الإحاطة حيزًا واسعًا للأنشطة العسكرية الإسرائيلية في جنوب سوريا، والتي وُصفت بأنها تمثل خرقًا للاتفاقيات القائمة وللقانون الدولي. فقد أعادت الغارات الجوية التي نُفذت في مارس/ آذار الماضي، لأول مرة منذ منتصف عام 2025، تسليط الضوء على هشاشة الوضع في تلك المنطقة، خاصة بعد اشتباكات محلية في محافظة السويداء.
ولم يقتصر الأمر على الضربات الجوية، بل امتد إلى توغلات شبه يومية داخل الأراضي السورية، وإقامة نقاط تفتيش، واحتجاز مواطنين سوريين، بعضهم لا يزال مصيره مجهولًا منذ أكثر من عام.
كما أشار كوردوني إلى حادثة وُصفت بالاستفزازية، تمثلت في عبور عشرات الإسرائيليين إلى منطقة الفصل قرب قرية حضر، قبل أن يتم إعادتهم لاحقًا. وفي هذا الإطار، جدد دعوته إلى ضرورة احترام السيادة السورية، والالتزام باتفاق فصل القوات لعام 1974، مطالبًا بالإفراج عن المحتجزين، ومعربًا عن أمله في أن تفضي الاتصالات غير المباشرة بين سوريا وإسرائيل، بوساطة أمريكية، إلى ترتيبات أمنية أكثر استدامة.
بالتوازي مع ذلك، أشار كوردوني إلى جهود الحكومة السورية في احتواء تداعيات النزاعات الإقليمية، لا سيما عبر تعزيز الانتشار الأمني على الحدود. وقد تجلى ذلك في استقبال أعداد كبيرة من الفارين من القتال في لبنان، إلى جانب إعلان السلطات عن تفكيك خلايا مسلحة ووقف عمليات تهريب عبر الحدود.
كما تطرّق إلى الهجمات التي نُفذت بطائرات مسيّرة انطلاقًا من الأراضي العراقية، والتي استهدفت مواقع عسكرية في الشمال الشرقي، قبل أن تسهم ترتيبات التهدئة الإقليمية في احتواء التصعيد وإعادة قدر من الهدوء.
وفي الشمال الشرقي، تحدث المسؤول الأممي عن تقدّم تدريجي في تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، مشيرًا إلى خطوات عملية تمثلت في انتشار القوات الحكومية وتسليم مواقع والإفراج عن محتجزين. إلا أن هذا التقدّم، بحسب الإحاطة، لا يزال جزئيًا، إذ لم تُحسم بعد ملفات أساسية تتعلق بالإدارة والتعليم والترتيبات العسكرية، ما يجعل استمرارية هذا المسار مرهونة بمدى التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاق بروح من الثقة المتبادلة.
وعلى النقيض من ذلك، بدت الأوضاع في السويداء أكثر تعقيدًا، حيث لم يتحقق أي تقدّم في المسار السياسي الخاص بالمنطقة، واستمرت الاحتجاجات المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والإفراج عن المعتقلين، إلى جانب دعوات تتصل بتقرير المصير.
وقد أشار كوردوني إلى أن التدهور الاقتصادي وتقييد بعض الحريات أسهما في تغذية حالة الاحتقان، في وقت كشفت فيه تقارير تحقيق وطنية ودولية عن انتهاكات جسيمة ارتُكبت خلال أحداث العام الماضي، شملت القتل خارج نطاق القانون والتعذيب والاعتقال التعسفي والعنف الجنسي، فضلًا عن دمار واسع ونزوح كبير. وفي حين رحب بالتزامات الحكومة السورية بمحاسبة المسؤولين وتنفيذ التوصيات، شدد على ضرورة ترجمة هذه التعهدات إلى إجراءات عملية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي.
ورغم هذه التحديات، سجلت الإحاطة تراجعًا ملحوظًا في مستويات العنف المباشر، حيث شهد شهر مارس/ آذار أدنى معدلات للقتال منذ خمسة عشر عامًا، وإن ظل المدنيون عرضة لمخاطر مخلفات الحرب. كما بقي تنظيم “داعش” مصدر قلق أمني، في ظل استمرار عمليات مكافحته بالتعاون مع التحالف الدولي، بالتوازي مع تسلم الحكومة السورية مواقع عسكرية كانت خاضعة سابقًا لسيطرة قوات أمريكية.
وفي البعد الاجتماعي، رسمت الإحاطة صورة لمجتمع لا يزال يعاني من توترات كامنة، حيث تتكرر الحوادث المحلية ذات الطابع الأهلي أو الطائفي، مدفوعة بإرث طويل من الانقسامات والصراعات. وقد أبرزت أحداث السقيلبية كيف يمكن لنزاع محدود أن يتطور إلى مواجهات أوسع بين مكونات دينية مختلفة، ما أعاد إحياء مخاوف لدى بعض الأقليات، خاصة المسيحية، ودفع إلى إلغاء بعض المناسبات الدينية رغم الإجراءات الأمنية التي أعلنتها السلطات.
اقتصاديًا، بدت الصورة أكثر قتامة، إذ أشار كوردوني إلى أن الضغوط المعيشية أصبحت عاملًا رئيسيًا في تأجيج الاحتجاجات، مع خروج مظاهرات في دمشق تطالب بتحسين الظروف الاقتصادية وإجراء إصلاحات سياسية. وقد ترافقت هذه التحركات مع توترات ميدانية، قبل أن تتدخل قوات الأمن لاحتوائها. وفي خلفية ذلك، تتراكم التحديات المرتبطة بارتفاع تكاليف الاستيراد، وتعطل سلاسل الإمداد، وتراجع الإنتاج الغذائي، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية، حتى في ظل تحسن نسبي في توفرها.
سياسيًا، أشار المسؤول الأممي إلى التحضيرات الجارية لاستكمال تشكيل السلطة التشريعية، معتبرًا أن وجود مجلس يمثل مختلف مكونات المجتمع يعد عنصرًا أساسيًا في إنجاح المرحلة الانتقالية. كما شدد على أهمية إقرار تشريعات تتعلق بالعدالة الانتقالية ومعالجة ملف المفقودين، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويؤسس لبيئة قانونية أكثر استقرارًا.
وفي ما يتعلق بدور المجتمع المدني، لفت كوردوني إلى استمرار مشاركة النساء في العملية السياسية، مع تزايد المخاوف من القيود المفروضة على الحريات العامة، إضافة إلى حملات استهداف طالت ناشطات في مجال حقوق الإنسان، وُصفت بأنها تحريضية. وأكد أن مشاركة النساء بشكل فعّال تظل عنصرًا حاسمًا في ضمان انتقال سياسي شامل وذي مصداقية.
واختتم كوردوني إحاطته بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تتطلب انخراطًا دوليًا مستمرًا ومنسقًا لدعم المسار السياسي السوري، محذرًا من أن تصاعد الأزمات الإقليمية قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي بسوريا في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى دعم مضاعف. وفي هذا السياق، أشار إلى الجهود الجارية لإعداد إطار تعاون تنموي جديد للفترة 2027–2030، يركز على التعافي المستدام، وتعزيز التماسك الاجتماعي وبناء مؤسسات أكثر شفافية ومساءلة