مستقبل القطاع الطبي السوري: موازنة الاستثمار الخاص ودور الدولة

ميساء الشيخ حسين
الأحد, 19 أبريل - 2026
أطباء من الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) يجرون عمليات زراعة قوقعة لأطفال في سوريا - 30 كانون الأول 2025 (سامز) (عنب بلدي)
أطباء من الجمعية الطبية السورية الأمريكية (سامز) يجرون عمليات زراعة قوقعة لأطفال في سوريا - 30 كانون الأول 2025 (سامز) (عنب بلدي)

يصعد إلى واجهة النقاش العام في سوريا اليوم ملف "الخصخصة الإدارية" أو الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة المشافي العامة،والقطاع الصحي العام ، وهو توجه يتجاوز في أبعاده إعادة هيكلة المؤسسات ليلامس جوهر العقد الاجتماعي والحق الدستوري في الرعاية الصحية. وتأتي هذه التطورات في وقت تبرز فيه تيارات استراتيجية تنادي بضرورة استعادة العقول المهاجرة كركيزة أساسية لأي عملية إصلاح حقيقية.


الاستثمار بين الضرورة السيادية والمخاطر الاجتماعية

تظل الصحة من منظور قانوني حقاً سيادياً تلتزم به الدولة تجاه مواطنيها، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى تحويل المنشآت العامة إلى كيانات ربحية. 

وفي هذا السياق، يرى مراقبون اقتصاديون، منهم الباحث أ. حيان سلمان، أن الإقدام على مثل هذه الخطوة في ظل الركود التضخمي الراهن يمثل "مغامرة اجتماعية" غير مأمونة العواقب، داعيا إلى حصر الشراكة مع القطاع الخاص في تشييد منشآت جديدة بدلاً من التصرف في الأصول القائمة، هذا التوجه يعززه تحذير الدكتور حسين الشرع من مغبة تحول الرعاية الصحية إلى سلعة تجارية ترهق كاهل المواطن الذي لا يزال ينظر إلى الدولة بصفتها الراعي الأول لأمنه الصحي.


رؤية الاغتراب: التأمين والإشراف كصمامي أمان

وفي محاولة لمد الجسور مع الخبرات السورية في الخارج، يطرح الدكتور فراس زكريا، الطبيب السوري المقيم في شيكاغو، مقاربة توفيقية ترى في الاستثمار الطبي فرصة للتطوير شريطة توفر ضمانات محددة. تتركز هذه الرؤية على ضرورة تفعيل منظومة "التأمين الطبي الشامل" التي تحمي المواطن من تحمل التكاليف المباشرة، مع الإبقاء على الدور السيادي للدولة في الرقابة والإشراف لضمان جودة الخدمات ومنع انحراف العمل الطبي عن مساره الإنساني النبيل.


الموارد البديلة: الأوقاف كرافد للتنمية الصحية

تبرز الحلول المبتكرة للتمويل المستدام من خلال تفعيل دور وزارة الأوقاف لدعم القطاع الصحي عبر إيرادات العقارات الوقفية، وهو نموذج أثبت نجاعته بالفعل حين تم تحويل مبالغ مليارية في عام 2025 لصالح مشفيي المواساة والمجتهد. ويمثل هذا الرفد المالي مخرجاً حيوياً لسد العجز التشغيلي في المشافي الوطنية دون الحاجة للارتهان الكلي لخيار الخصخصة، مما يحافظ على صبغة المشافي كمؤسسات خدمية وطنية.


استعادة العقول: حوكمة لا خصخصة

لا ينفصل إصلاح القطاع الطبي عن ملف استعادة العقول المهاجرة، حيث يؤكد الجراح د. م. خضور أن الأزمة تكمن في غياب الحوكمة والحوافز وليست في ملكية المنشآت. إن خلق بيئة قانونية ومادية كريمة للطبيب السوري المهاجر كفيل بتوطين أحدث التقنيات وأساليب الإدارة العالمية، وهو ما يغني الدولة عن التنازل عن دورها الإداري لصالح المستثمرين.

في خضم هذه التحولات، يبدو قلق المواطن السوري مشروعاً وعميقاً، وهو ما تجسده تساؤلات المتقاعدين وغيرهم من ذوي الدخل المحدود الذين يخشون المفاضلة بين لقمة العيش وفاتورة العلاج. وتتحد مطالب الشارع اليوم حول ضرورة إصلاح الإدارة بوجوه وطنية تضع الأرواح قبل الأرقام، وتؤمن بأن الصحة ليست مجالاً للمساومة الربحية.

إن أزمة القطاع الطبي في سوريا هي في جوهرها أزمة إدارة واستقطاب كفاءات، والمخرج الحقيقي لا يكمن في "بيع" الإدارة بل في "الاستثمار في الإنسان" وتوظيف الموارد الوطنية المتاحة من تأمين صحي وأوقاف. فالدولة القوية هي التي تستعيد أبناءها ليديروا مواردها بكرامة، وتضمن ألا تقع صحة مواطنيها بين مطرقة الاستثمار وسندان الربحية.