سوق المناخلية يواجه خطر التغيير.. الحرفيون يتمسكون بذاكرة مئة عام

بثينة الخليل - جهان الخلف
الأحد, 19 أبريل - 2026
مدخل سوق المناخلية القديم (الجزيرة)
مدخل سوق المناخلية القديم (الجزيرة)

في أزقة سوق المناخلية بدمشق، حيث تختلط أصوات الحرفة العتيقة بنبض الحياة اليومية، تتصاعد مخاوف مئات الحرفيين من فقدان مصدر رزقهم، بعد سلسلة إنذارات غير رسمية طالت عدداً من محال الحدادة، بذريعة “الإزعاج والضجيج”، وذلك بحسب ما نقلت مؤسسة جولان الإعلامية.


إنذارات بلا أوراق رسمية

وبحسب ما أوردته مؤسسة جولان الإعلامية، بدأت القصة قبل نحو أسبوعين، حين تلقّى بعض الحدادين إنذارات أولية لإخراج معداتهم خارج المحال، تبعتها إنذارات ثانية، من دون أي تبليغ خطي رسمي.

وأكد الحرفيون أن جميع الإشعارات التي وصلت كانت شفهية فقط، دون أي مستندات أو تعهدات موقعة حتى الآن.

ونقلت المؤسسة عن أحد الحرفيين قوله إن “الإنذارات لم تكن رسمية، بل مجرد تبليغات شفهية دون أي أوراق”.


شكاوى محدودة من سكان جدد

تشير المعلومات، وفق ما نقلته مؤسسة جولان الإعلامية، إلى أن الشكاوى صدرت من عدد محدود جداً من السكان الجدد في إحدى البنايات، لا يتجاوزون “بيتين أو ثلاثة”، قدموا حديثاً للسكن في المنطقة.

ويؤكد الحرفيون أن السكان القدامى متعايشون منذ سنوات طويلة مع طبيعة العمل في السوق، ولم تُسجَّل اعتراضات مماثلة سابقاً.

وقال أحدهم: “الناس الجدد هم من اشتكوا، أما القدامى فمتعودون على الوضع منذ زمن”.


طبيعة العمل وساعات الدوام

وبحسب روايات الحرفيين التي نقلتها المؤسسة، فإن العمل في السوق يبدأ بين الساعة 9 و9:30 صباحاً وينتهي عند الخامسة مساءً، وهو نظام شبه موحد.

وقال الحرفي وليد زريق: “المحلات تفتح 9 أو 9 ونص، وتسكر الساعة 5، هذا دوامنا الطبيعي”.

لكن الحرفيين أشاروا إلى أن انقطاع الكهرباء يضطرهم أحياناً للعمل خارج هذه الساعات، حيث قال أحدهم:

“أحياناً لا تأتي الكهرباء إلا متأخرة، فنضطر للعمل مساءً لإنهاء الطلبات”.

كما لفتوا إلى ارتفاع كلفة البدائل، إذ تصل تكلفة الأمبيرات إلى مستويات مرتفعة لا تترك هامش ربح يُذكر.


“لا آلات صناعية.. بل أدوات يدوية”

ينفي الحرفيون، وفقاً لما نقلته مؤسسة جولان الإعلامية، استخدام أي آلات صناعية ثقيلة، مؤكدين أن عملهم يعتمد على أدوات يدوية بسيطة.

وقال الحرفي نذير مارديني: “الماكينة التي يتحدثون عنها هي أداة يدوية بلا موتور أو كهرباء”.

وأضاف: “لا نستخدم مكابس، هذه موجودة في المعامل فقط، أما عملنا فهو يدوي بالكامل”.

واعتبر أن ما يحدث هو “سوء فهم لطبيعة المهنة”، أو محاولة لإيجاد مبررات لإخراجهم من السوق.


ملكية وامتداد تاريخي

ويؤكد الحرفيون أن السوق ذو طابع حرفي قديم يمتد لعقود طويلة، حيث تعمل بعض الورش منذ أكثر من 40 عاماً في الموقع نفسه.

وقال مارديني: “نحن هنا منذ زمن طويل، وأنا شخصياً أعمل في نفس المحل منذ أكثر من أربعين عاماً”.


خلاف يتجاوز “الضجيج”

وبحسب الشهادات التي نقلتها مؤسسة جولان الإعلامية، فإن الخلاف لا يقتصر على الضجيج، بل يرتبط بمحاولات تغيير الطابع العمراني للمنطقة من حرفي إلى سكني.

وقال أحد الحرفيين: “الموضوع أكبر من الصوت، هناك توجه لتحويل المنطقة إلى سكنية وإخراج الحرفيين تدريجياً”.


300 محل ومصدر رزق لآلاف

يضم السوق نحو 300 محل، تعيل مئات العائلات، إضافة إلى مهن مرتبطة مثل النقل والتوزيع، ما يعني أن ما بين 1500 و2000 شخص يعتمدون عليه كمصدر دخل، وفق تقديرات الحرفيين.

ويحذر هؤلاء من أن أي قرار بالإخلاء أو التضييق سيؤدي إلى خسائر واسعة تطال منظومة اقتصادية كاملة.


تحركات رسمية وطلب تدخل

وفي ظل تصاعد التوتر، أفاد الحرفيون، بحسب ما نقلت مؤسسة جولان الإعلامية، أنهم تقدموا بشكوى رسمية، ويسعون للقاء مسؤولين، بينهم محافظ دمشق.

وقال أحدهم: “نحاول إيصال صوتنا، لأن القضية تتعلق بقطع أرزاق مئات العائلات”. وأضاف: “نحن لا نرفض التنظيم، بل نرفض الإخلاء لأنه يهدم حياتنا”.


مطالب الحرفيين

يطالب أصحاب المحال بإعادة النظر في الشكاوى، والتأكيد على خصوصية العمل الحرفي داخل سوق تاريخي، مع إيجاد حلول توازن بين حقوق السكان والحرفيين.

وفي ظل غياب قرار رسمي واضح حتى الآن، يبقى سوق المناخلية أمام اختبار صعب: إما الحفاظ على هويته الحرفية، أو مواجهة تغييرات قد تعيد رسم ملامحه بالكامل.

وبحسب ما تؤكد المادة التي نقلتها مؤسسة جولان الإعلامية، فإن القضية تتجاوز مسألة الضجيج، لتلامس ذاكرة مدينة كاملة، وسوقاً يشكل جزءاً من هوية دمشق منذ أكثر من مئة عام.

ويرى الحرفيون أن الحفاظ على السوق ليس مجرد حماية لمصدر رزق، بل صونٌ لإرث حيّ، يمكن أن يشكل قيمة ثقافية وسياحية، إذا ما جرى دعمه وتنظيمه بدلاً من إزالته.