على مدار العقد الأخير، انخرطت مئات المنظمات السورية في "لغة المشاريع" الموجهة نحو قطاعات تقنية معزولة، فغصّت التقارير بمصطلحات الحوكمة، والتمكين الفردي، والشفافية، بينما ظلّت "الأسرة السورية" بصفتها النواة الصلبة والضامن الوحيد لتماسك المجتمع- الحصنَ المنسي في زحام الأجندات الدولية.
لقد استُهدفت الأسرة كمستقبٍل للمساعدات الإغاثية العابرة، لكنها نُسيت كشريك استراتيجي في بناء الاستقرار؛ فغابت السياسات التي تحمي ملكياتها، وتوثق هويتها القانونية، وترمم شروخها النفسية التي خلفتها الحرب.
إن تأسيس عمل مدني موجه للأسرة السورية اليوم يتطلب تجاوز "الإغاثة التقليدية" إلى "هندسة الاستقرار"؛ فالأسرة لم تعد بحاجة لسلّة غذائية بقدر حاجتها لاستعادة توازنها النفسي، القانوني، والاقتصادي. وفي هذه السطور، نلقي الضوء على المعايير الأساسية التي يجب اعتمادها لبناء مؤسسات مدنية تركز على الأسرة كـ "وحدة بناء" لا كمجرد "جهة مستهدفة":
معيار "الشمولية الأسرية" (Holistic Approach)
يجب ألا تستهدف المنظمة الفرد (الطفل أو المرأة) بمعزل عن محيطه. وبدلاً من تقديم دعم نفسي للطفل فقط، ينبغي العمل على "تمكين البيئة الحاضنة"؛ أي تدريب الأبوين على مهارات التعامل مع الصدمات، وضمان استقرار الأسرة ككيان واحد لمنع التفكك.
معيار "الأمان القانوني والحقوقي"
الحرب التي عاشها السوريون خلال الأعوام الأربعة عشر الأخيرة خلّفت فوضى في الأوراق الثبوتية، والملكيات، وحقوق الورثة، وهي قضايا ترهق كاهل الأسرة. وهنا تبرز الحاجة لتخصيص وحدات دعم قانوني جوالة تساعد الأسر في تثبيت عقود الزواج، والولادات، وحماية الملكيات العقارية، مما يمنح الأسرة شعوراً بالانتماء والأمان القانوني الذي يسبق أي استقرار مادي.
معيار "التمكين الاقتصادي المترابط" (Economic Resilience)
الانتقال من "المنحة" إلى "الإنتاجية الأسرية"، والعمل بمقولة: "لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطاد". إن دعم المشاريع المتناهية الصغر التي تدار من داخل المنزل أو الحي، وربطها بسلاسل توريد محلية، يهدف لتحويل الأسرة من "مستهلك للمساعدات" إلى "وحدة اقتصادية" مستقلة، مما يحفظ كرامتها الاجتماعية.
معيار "المرونة النفسية والاجتماعية"
أنتجت سنوات الحرب شروخاً حادة في العلاقات البينية داخل المجتمع والأسرة، ولذلك من الضروري اعتماد برامج "ترميم الثقة" والوساطة المجتمعية. يجب أن تكون المؤسسة المدنية مكاناً لفض النزاعات الأسرية والمحلية بأساليب تصالحية بعيداً عن القضاء الرسمي المنهك، حفاظاً على التماسك الاجتماعي.
معيار "الاستدامة والملكية المحلية"
لكي ينجح العمل المدني في سوريا، يجب أن يشعر الناس أنه ملكهم وليس "مشروعاً أجنبياً". وينبغي هنا الاعتماد على الكوادر المحلية من قلب الأحياء، وتفعيل "صناديق التكافل" أو "الأوقاف التنموية" الصغيرة التي تعتمد على مساهمات المجتمع المحلي، مما يضمن استمرار العمل واستقلاليته.
معيار "التنمية التعليمية التعويضية"
تعاني الأسرة السورية من فجوة تعليمية لدى أبنائها تهدد مستقبلهم، لذا ينبغي الاهتمام بتأسيس مراكز تعليمية مجتمعية لا تكتفي بالمنهاج المدرسي، بل تركز على التعليم المهني السريع، ومحو الأمية الرقمية، ومعالجة الفاقد التعليمي، لضمان دمج الجيل الشاب في سوق العمل سريعاً.
إن العمل المدني الناجح في سوريا هو الذي يتحول فيه المواطن من "رقم في جدول المانح" إلى "عضو فاعل في جمعية محلية". الشرعية الحقيقية ستبدأ عندما تدرك المنظمات أن حماية "الحصن السوري" هي المهمة التي لا تقبل التأجيل.