مخيم الهول ومستقبل ملف معتقلي تنظيم"داعش" في شمال شرقي سوريا

بثينة الخليل
الثلاثاء, 20 يناير - 2026
مخيم الهول ـ أرشيف / Reuters
مخيم الهول ـ أرشيف / Reuters

فراغ أمني ومعضلة دولية غير محسومة

أعادت التطورات الأخيرة في محيط مخيم الهول شرق محافظة الحسكة تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات الأمنية والإنسانية تعقيداً في سوريا، وذلك عقب إعلان الحكومة السورية شروعها باتخاذ إجراءات لتأمين المخيم، بعد انسحاب "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) من مهام حراسته.


وتقول الحكومة السورية إن هذه الخطوة تأتي في سياق منع تدهور الوضع الأمني، في وقت لم توضح فيه "قسد" بشكل مفصل أسباب انسحابها، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المخيم، وآليات إدارة عشرات الآلاف من قاطنيه المرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بتنظيم"داعش".


وتُبرز هذه التطورات مجدداً الإشكالية الجوهرية التي رافقت مخيم الهول منذ عام 2019: من يتحمّل مسؤولية هذا الموقع، ومن يدير ملف محتجزيه في ظل غياب حل دولي شامل؟


ما هو مخيم الهول؟

يقع مخيم الهول على بُعد نحو 45 كيلومتراً شرق مدينة الحسكة، قرب الحدود السورية – العراقية. وعلى عكس الانطباع السائد، لم يُنشأ المخيم في سياق الحرب على تنظيم "داعش".

أُنشئ عام 1991 من قبل النظام السوري البائد لاستقبال اللاجئين العراقيين الفارين من حرب الخليج الثانية والاضطرابات التي أعقبتها في العراق. وخلال التسعينيات والعقدين اللاحقين، عمل المخيم كمخيم لجوء تقليدي، بإشراف الدولة السورية وبالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات إنسانية أخرى.


وبقي المخيم محدود الحجم والتأثير لسنوات طويلة، قبل أن يبدأ باستقبال نازحين سوريين بعد عام 2013، مع توسّع رقعة النزاع في شمال شرقي البلاد.


التحول الجذري في وظيفة المخيم جاء في عام 2019، عقب انهيار آخر معاقل تنظيم "داعش" في منطقة الباغوز شرق دير الزور، حيث نُقلت إلى المخيم أعداد كبيرة من نساء وأطفال مقاتلي التنظيم، إضافة إلى نازحين آخرين من مناطق كانت خاضعة لسيطرته.


من يقطن المخيم؟ وكم يبلغ عددهم؟

في ذروة اكتظاظه عام 2019، ضم مخيم الهول أكثر من 70 ألف شخص.

وتُقدّر أعداد القاطنين حالياً بنحو 40 إلى 45 ألف شخص، وفق تقديرات منظمات دولية، مع تفاوت في الأرقام بسبب عمليات الخروج والترحيل المحدودة وعدم وجود إحصاءات محدثة معلنة بشكل دوري.

وينقسم قاطنو المخيم إلى ثلاث فئات رئيسية:

سوريون، يشكّلون النسبة الأكبر

عراقيون، جرى ترحيل جزء منهم إلى العراق خلال السنوات الماضية

أجانب من أكثر من 60 جنسية، غالبيتهم من النساء والأطفال المرتبطين بعناصر التنظيم

ويُقيم معظم الأجانب في قسم منفصل يُعرف باسم "الملحق"، يخضع لإجراءات أمنية أشد مقارنة ببقية أجزاء المخيم.


إدارة المخيم ومسؤولية الأمن

منذ عام 2019، خضع مخيم الهول لإدارة "قسد"، بدعم أمني من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، فيما تولت منظمات أممية ودولية تقديم المساعدات الإنسانية.


غير أن هذا النموذج الإداري وُصف مراراً من قبل منظمات حقوقية وأممية بأنه هش وغير مستدام، إذ يعمل المخيم فعلياً كموقع احتجاز واسع النطاق دون إطار قانوني واضح، أو آليات قضائية لمعالجة أوضاع المحتجزين فيه.

ويُظهر انسحاب"قسد" من الحراسة، أياً كانت دوافعه، مدى هشاشة الترتيبات الأمنية القائمة، واعتمادها على واقع استثنائي طويل الأمد.


المخاطر الأمنية والتطرف

لطالما حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية من المخاطر الأمنية داخل مخيم الهول، حيث وثّقت تقارير متعددة:

وجود خلايا سرّية مرتبطة بتنظيم "داعش"

أعمال عنف وجرائم قتل داخل المخيم

فرض سلوكيات متشددة على بعض القاطنين

استمرار عمليات الاستقطاب والتطرف، خاصة بين الأطفال

ووصف مسؤولون أمنيون غربيون المخيم في مناسبات عدة بأنه بيئة خصبة لإعادة إنتاج التطرف، في حال استمرار غياب الحلول الجذرية.


مأزق دولي مستمر

رغم مرور سنوات على هزيمة تنظيم "داعش" عسكرياً، لم يتوصل المجتمع الدولي إلى مقاربة موحدة للتعامل مع مخيم الهول.

ولا تزال دول كثيرة مترددة في:

استعادة رعاياها

محاكمتهم على أراضيها

أو دعم إنشاء آليات قضائية دولية أو محلية

وفي المقابل، دعت الأمم المتحدة مراراً إلى:

إعادة الأجانب إلى بلدانهم

إيجاد حلول لإعادة دمج السوريين والعراقيين

ضمان المساءلة القانونية عن الجرائم الخطيرة

إلا أن الاستجابة لهذه الدعوات بقيت محدودة.


ما الذي قد يتغير الآن؟

يمثل دخول الجيش العربي السوري إلى محيط المخيم تحوّلاً مهماً في المشهد، إلا أن ملامح المرحلة المقبلة لا تزال غير واضحة، لا سيما فيما يتعلق بـ:

مستقبل إدارة المخيم

طبيعة التنسيق مع المنظمات الإنسانية

الإطار القانوني للتعامل مع المحتجزين

ويحذّر محللون من أن السيطرة الأمنية وحدها لا تكفي لمعالجة المشكلة، في ظل غياب حل سياسي وقانوني شامل.


تحوّل مخيم الهول، الذي أُنشئ قبل أكثر من ثلاثة عقود لمعالجة أزمة لجوء مؤقتة، إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة ما بعد تنظيم "داعش".


ومع تغيّر معادلات السيطرة في شمال شرقي سوريا، يبقى السؤال مفتوحاً حول الجهة التي ستتحمّل المسؤولية الكاملة عن المخيم، وكيف يمكن تفكيك هذا الإرث الأمني والإنساني دون خلق موجات جديدة من عدم الاستقرار.