تشتهر المناطق الممتدة بين مدينتي القامشلي والمالكية، أقصى شمال شرق محافظة الحسكة، بتربية قطعان الجواميس التي تنتشر على ضفاف نهر الجغجغ وفي محيط المستنقعات والسبخات المائية، وتشكل هذه المهنة مصدر رزق رئيسياً لعشرات العائلات التي توارثتها جيلاً بعد جيل.
وخلال السنوات الماضية، شهد هذا القطاع الحيوي تراجعاً ملحوظاً نتيجة جملة من العوامل البيئية والاقتصادية، في مقدمتها الجفاف وتراجع الموارد المائية، إضافة إلى ممارسات ميليشيات قسد التي أثرت بشكل مباشر على القطاع الزراعي والحيواني في المحافظة، من خلال التحكم بالمصادر المائية، وفرض الإتاوات، وعرقلة وصول الأعلاف والمواد الأساسية إلى المربين.
وبحسب إحصاء أجرته مديرية زراعة الحسكة خلال عام 2023، بلغ عدد رؤوس الجواميس في المحافظة نحو خمسة آلاف رأس، لتتصدر الحسكة المحافظات السورية من حيث أعداد هذا الصنف من الثروة الحيوانية، والذي يؤمن منتجات غذائية ذات قيمة عالية، أبرزها الحليب وقشطة "الكيمر" المعروفة محلياً.
ومن أطراف حي طي بمدينة القامشلي، حيث تنتشر حظائر تربية الجواميس، أوضح المربي محمد السعود (50 عاماً)، في تصريح لوكالة سانا، أنه ورث هذه المهنة عن والده، وتشكل مصدر دخله الأساسي من خلال بيع الحليب والقشطة، إضافة إلى بيع مواليد الجواميس.
وبيّن "السعود" أن تربية الجواميس تختلف عن تربية الأبقار، إذ تحتاج إلى مصدر مياه دائم للسباحة، خاصة خلال فصل الصيف، إضافة إلى مساحات خضراء واسعة للرعي، مشيراً إلى أن موجات الجفاف المتكررة، إلى جانب تراجع منسوب نهر الجغجغ وجفاف المستنقعات نتيجة السياسات المائية التي انتهجها النظام البائد، دفعت عدداً من المربين إلى تقليص أعداد قطعانهم أو نقلها إلى أرياف دير الزور والرقة، حيث تتوفر مياه نهر الفرات.
وأضاف أن تقلص المساحات الخضراء أجبر المربين على الاعتماد على شراء الأعلاف الجاهزة بأسعار مرتفعة، في ظل صعوبة تأمينها وارتفاع تكاليف العلاج البيطري، نتيجة القيود المفروضة على حركة المواد والدعم الزراعي، ما تسبب بخسائر كبيرة واضطر بعض المربين إلى بيع جزء من قطعانهم لتأمين احتياجات الجزء المتبقي.
من جانبه، أكد المربي عادل محمود، في تصريح لوكالة سانا، أن تربية الجواميس تكون مجدية اقتصادياً خلال المواسم الماطرة، حيث تؤمّن الطبيعة معظم احتياجاتها الغذائية، موضحاً أن إنتاج الجاموسة من الحليب يتأثر بشكل مباشر بنوعية وكميات التغذية، ويتراوح في الظروف الجيدة بين 8 و10 كيلوغرامات يومياً.
وأشار محمود إلى أن حليب الجاموس يتميز بارتفاع نسبة الدسم مقارنة بالحليب البقري، ما يجعله أساساً لإنتاج قشطة "الكيمر" التي تحظى بإقبال في المحافظة، رغم ارتفاع سعر الكيلوغرام الواحد منها إلى نحو 100 ألف ليرة سورية، حيث يتطلب إنتاجه قرابة 10 كيلوغرامات من الحليب، لافتاً إلى وجود محال متخصصة ببيعها في مدن القامشلي والحسكة والمالكية.
ويأمل مربو الجواميس في محافظة الحسكة بتحسين ظروف هذا القطاع مستقبلاً، من خلال إنهاء الممارسات التي تعيق عملهم، وتأمين مصادر المياه، وتوفير الأعلاف والخدمات البيطرية، بما يسهم في الحفاظ على هذه الثروة الحيوانية وتعزيز دورها في دعم الأمن الغذائي المحلي.