الإصلاح النقدي في سوريا: "جراحة قيصرية" لاستعادة السيادة وتجفيف اقتصاد الظل

ميساء شيخ حسين
الخميس, 8 يناير - 2026

لم يكن قرار استبدال الليرة السورية مجرد إجراء فني لتسهيل المعاملات اليومية أو حذف أصفار أثقلت كاهل الحسابات المصرفية، بل جاء كخطوة استراتيجية في توقيت حساس، تحمل في طياتها أبعاداً أمنية واقتصادية تهدف إلى إعادة رسم خارطة النفوذ المالي في البلاد.


أولاً: محاسن الإصلاح النقدي (الفوائد الهيكلية)

يُعد الإصلاح النقدي بمثابة "إعادة ضبط" للجهاز المصرفي، وتتجلى محاسنه في:

 استعادة القيمة المعنوية والمادية: تقليل كمية الورق المتداول يرفع من ثقة المتعاملين بالعملة المحلية ويقلل من ظاهرة "حمل الرزم الضخمة" لشراء سلع بسيطة.


لجم التضخم: من خلال سحب الفائض النقدي من الأسواق وإعادة تنظيمه، تستطيع الدولة التحكم في المعروض النقدي بدقة أكبر.


دمج الاقتصاد غير الرسمي: إجبار الكتلة النقدية الضخمة على المرور عبر القنوات المصرفية لغرض الاستبدال، مما ينعش قطاع البنوك ويزيد من الشفافية المالية.


ثانياً: "اقتصاد الظل" في مرمى النيران

تعتبر هذه الخطوة "كميناً مالياً" بامتياز للأموال المتولدة عن أنشطة غير مشروعة (أموال الظل)، وذلك عبر:

كشف المستور: اشتراط إثبات مصدر الأموال للمبالغ الضخمة يضع "أمراء الحرب" والميليشيات أمام خيارين: إما الكشف عن هوياتهم ومصادر أموالهم، أو ترك هذه الثروات لتتحول إلى ورق بلا قيمة قانونية.

قطع الإمداد العابر للحدود: المليارات المخزنة في دول الجوار أو مناطق خارج السيطرة تصبح عبئاً على حائزيها؛ فصعوبة نقلها وتبييضها خلال 90 يوماً تعني عملياً "إعداماً مالياً" لهذه الكتل النقدية.

تجفيف منابع التمويل: غياب السيولة النقدية (الليرة القديمة) عن يد الجماعات المسلحة يضعف قدرتها على دفع الرواتب وشراء الولاءات أو تمويل العمليات العسكرية.


ثالثاً: ترسيخ الموقف الحكومي (الشرعية النقدية)

تمثل العملة الجديدة أداة سياسية قوية لتعزيز سيطرة الدولة:

 فرض السيادة: عندما تنجح الدولة في فرض عملتها كأداة وحيدة للتبادل، فإنها تعلن انتهاء "تعدد السلطات المالية".

 تمويل إعادة الإعمار: الكتلة النقدية التي لا يتم استبدالها (بسبب عدم شرعيتها أو وجودها في الخارج) تخرج من ميزانية "الالتزامات" لدى المصرف المركزي، مما يخلق فائضاً دفترياً يمنح الحكومة مرونة أكبر في التمويل دون التسبب في تضخم جديد.

 بناء قاعدة بيانات: عملية الاستبدال تمنح الدولة "جردة حساب" دقيقة لثروات الأفراد والمؤسسات، مما يساعد في وضع سياسات ضريبية ومالية أكثر عدالة وفعالية.


رابعاً: المساوئ والمخاطر المحتملة

رغم المكاسب، لا تخلو العملية من تحديات:

 الضغط على سعر الصرف: قد يلجأ المضاربون للهروب إلى العملات الأجنبية (الدولار) أو الذهب للتخلص من الليرة القديمة، مما قد يسبب تذبذباً مؤقتاً في الأسعار.

التحديات اللوجستية: الحاجة لتغطية كافة المناطق الجغرافية وضمان وصول العملة الجديدة للمناطق النائية لتجنب تضرر صغار المدخرين.

 مخاطر التزييف: فترة الانتقال قد تشهد محاولات لضخ عملات مزيفة لاستغلال حالة الارتباك لدى الجمهور.


خامساً: العملة الجديدة وصراع "الشرعية السيادية" في المناطق الساخنة

لا يمكن فصل الإصلاح النقدي السوري عن السياق الجيوسياسي الذي كشفت عنه التقارير الدولية مؤخراً (مثل تقرير CNN)، حيث يبرز التوتر الإقليمي حول مناطق الجنوب السوري والمخاوف من نزعات "انفصالية". هنا، تتحول الليرة الجديدة من أداة تبادل إلى "أداة سيادة" تهدف إلى:

قطع الجسور المالية العابرة للحدود: إذا كانت هناك قوى إقليمية تسعى لتمويل قوى محلية أو بناء "إدارات ذاتية" في الجنوب، فإن تغيير العملة ينسف مخزوناتهم النقدية من الليرة القديمة. فالحصول على "السيولة الجديدة" يتطلب اعترافاً صريحاً بسلطة المصرف المركزي في دمشق، وهو ما يفرمل أي محاولة للتبعية الاقتصادية للخارج.

 الاختبار الصعب للولاء الاقتصادي: يضع الإصلاح النقدي المكونات التي تناقش فكرة "الاستقلال" أمام مأزق تقني؛ فرفض العملة الجديدة يعني الانعزال عن السوق الوطنية الكبرى، واللجوء لعملات بديلة سيعمق الأزمة المعيشية للسكان المحليين، مما يجعل كلفة "الانفصال" اقتصادياً باهظة جداً.

تحييد النفوذ الإقليمي: عبر "فلترة" الكتل النقدية الضخمة، تسعى دمشق لإبطال مفعول "المال السياسي" الذي قد يتدفق عبر الحدود، وضمان أن تكون "الدورة المالية" داخل المحافظات السورية مغلقة ومراقبة مركزياً، مما يحصن الجبهة الداخلية ضد أي استقطاب خارجي.

إن الإصلاح النقدي في سوريا ليس مجرد تغيير في شكل الورق، بل هو "معركة سيادة" بامتياز. إذا نجحت الحكومة في إدارة الفترة الانتقالية بحزم وشفافية، فإنها لن تكتفي بإصلاح الاقتصاد فحسب، بل ستوجه ضربة قاصمة للهياكل المالية الموازية التي نمت على هامش الحرب، مما يمهد الطريق لاستقرار مستدام يبدأ من "جيب المواطن" وينتهي في "خزينة الدولة".