لا تستحق كل القضايا التي تشتعل على وسائل التواصل الاجتماعي أن تتحول إلى قضية رأيٍ عام، لكن بعضها يكشف لنا كيف نفهم أنفسنا أكثر مما نفهم الحدث نفسه. وقضية منزول آل السباعي خير مثالٍ على ذلك. فأخطر ما في القضية ليس الخلاف بحد ذاته فهو طبيعي ووارد الحصول في أي دولةٍ من دول العالم، ولكن الطريقة التي تشكل بها وعي الناس حوله، وكيف تحول موضوعٌ محلي في حيّ قديم إلى نقاش وطني يتابعه الجميع ويشارك فيه بالرأي فقهه أم لا هو ما يدعونا في هذا المقال إلى التعمق فيه من وجهة نظر مختلفة تمامًا عما هو متداول في الأوساط العامة والافتراضية.
هذا التحول السريع يطرح أسئلةً عميقة حول دور الإعلام، وطبيعة الخطاب المستخدم، والآليات التي تجعل قضية قانونية تراثية تتجاوز حدودها الإدارية لتصبح مرآة لطريقة تفكير المجتمع. ومن هنا، لا يعود السؤال عمّا حدث كافيًا، بل نبحث كيف حدث، ولماذا تفاعل الناس معه بهذه الطريقة، وما الذي يمكن أن نتعلمه من هذا المشهد حول إدارة النقاش العام في القضايا الحساسة.
ولفهم ما حدث، لا بدّ أولاً من العودة إلى طبيعة المكان نفسه. يعدّ "المنزول" واحدًا من الموروثات الاجتماعية القديمة في حمص، وهو بناء تقليدي كانت العائلات الكبيرة تستخدمه كمضافة ومكان للقاءات الاجتماعية والأنشطة الخيرية وجلسات التحكيم العائلية. ويُعدُّ منزول آل السباعي، الواقع في منطقة العدوية المعروفة في حي السباعي داخل المدينة القديمة، من أقدم هذه الأبنية الباقية، ويرتبط بتاريخ العائلة وذاكرة الحي منذ قرون. وقد بدأ الخلاف الحالي حين أعلنت مديرية الأوقاف في حمص أن العقار مسجّل لديها كوقف خيري منذ عام /1933/م، في حين تؤكد العائلة أنه وقفٌ ذريّ تاريخي يعود إلى نحو ثمانية قرون، ما فتح الباب أمام نقاش واسع حول طبيعة الوقف، والوثائق المتوفرة، والجهة المخوّلة قانونًا بإدارة المكان.
وبين هاتين الروايتين، برزت سرديتان واضحتان: سردية مؤسساتية تستند إلى السجلات الرسمية وتعتبر أن الوقف الخيري هو المرجع القانوني الوحيد، وسردية اجتماعية تاريخية ترى أن المنزول جزء من ذاكرة المكان وهويّة العائلة، وأن الوثائق القديمة والروايات الشفهية المتواترة تشكّل امتدادًا لحقّ تاريخي لا ينبغي تجاهله. هذا التباين في السرديات لم يقتصر على مضمون المعلومات، بل امتد إلى طريقة عرضها، وهو ما جعل النقاش يتجاوز حدود الخلاف القانوني ليصبح نقاشًا حول معنى التراث نفسه.
ومع وضوح تباين الروايتين، يصبح من الضروري فهم كيف قدّم كل طرف قصته، لأن طريقة العرض لا تقل تأثيرًا عن مضمونها. يظهر النقاش الدائر حول منزول آل السباعي كيف يمكن لأسلوب عرض القصة أن يغيّر طريقة فهم الجمهور لها، واختيارهم للطرف الذي سيؤيدونه، وهو ما توضحه نظرية التأطير في الاتصال الجماهيري. فالأوقاف قدّمت القضية ضمن إطار مؤسساتي يركز على حماية الوقف الخيري واحترام السجلات الرسمية، ما يجعل قرارها يبدو امتدادًا لدورها القانوني والإداري. في المقابل، اختارت العائلة إطارًا اجتماعيًّا تاريخيًّا يربط المنزول بالذاكرة الجمعية والهوية العائلية، ويقدّمه كجزء من تراث حمص القديم لا كعقار إداري. هذا الاختلاف في التأطير لا يغيّر الحقائق بحدّ ذاتها، لكنه يؤثر في الطريقة التي يتلقى بها الجمهور القصة، وفي الانطباعات الأولية والتحيزات الإدراكية التي تتشكل حول من يبدو أقرب إلى الحق.
لكن التأطير وحده لا يفسّر انتشار القضية، وهنا يظهر دور نظرية وضع الأجندة. تظهر قضية منزول أل السباعي مثالًا واضحًا على كيفية انتقال موضوع محلي إلى واجهة النقاش العام. فمع نشر البيانات المتبادلة بين الأوقاف وعائلة السباعي والعائلات المتضامنة معها، وتداول الصور والوثائق عبر وسائل الإعلام ومنصّات التواصل، بدأ الموضوع يخرج من نطاقه الإداري ليصبح قضيةً يتفاعل معها جمهورٌ واسع داخل حمص وخارجها وفي المهجر أيضًا. هذا الانتقال لا يحدث تلقائيًا، بل نتيجة عوامل متداخلة: حساسية الموضوع المرتبط بالتراث، ورمزية المكان في الذاكرة الاجتماعية والثورية، وطبيعة الخطاب المستخدم في البيانات، إضافةً إلى دور المنصّات الرقمية في تضخيم الاهتمام وتسريع انتشار المعلومات. وهكذا، يصبح ما كان في الأصل خلافًا قانونيًّا حول طبيعة وقف قضيةَ رأيٍ عام تناقش على مستوى وطني، قبل أن تحسم رسميًّا.
ومن منظور علم الاتصال الجماهيري، تبرز ظاهرة جديرةٌ بالتحليل: "تأثير العربة". يشير هذا المفهوم إلى ميل الأفراد نحو تبنّي آراء أو سلوكيّات معيّنة نتيجةً لانتشارها بين الآخرين، بغض النظر عن مدى تفحصهم الشخصي لمضمونها. في سياق قضية المنزول، نلاحظ أنّ التفاعل الواسع مع إحدى السرديتين قد يدفع أفرادًا جددًا إلى الانحياز لها دون الاطلاع بالضرورة على كامل تفاصيل الملف القانوني أو التاريخي. هذه الظاهرة تطرح سؤالًا مهنيًّا حول مسؤولية الفضاء العام الرقمي في تشكيل قناعات قد تسبق الأحكام القضائية أو القرارات الإدارية المختصّة.
في هذا السياق، يصبح من المفيد التمييز بين دور الجمهور كمتلقٍ ودوره كطرفٍ في النزاع. فالمتابع العام ليس بحوزته عادةً الوثائق الكاملة، ولا المعرفة الفقهية المتخصصة بطبيعة الأوقاف، ولا الخبرة القانونية بتحليل قوة السندات العقارية مقابل دعاوى الحيازة التاريخية. من هنا، فإن الممارسة الاتصالية الأكثر مسؤولية، وفقًا لمبادئ التربية الإعلامية، هي تأجيل الحكم الشخصي لحين استكمال المسار القانوني والإداري المختص، والاكتفاء بدور المراقب الواعي الذي يتابع تطورات الملف دون أن يتحول إلى قاضٍ افتراضي.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا المشهد الاتصالي بمعزل عن سياقه الأوسع. فالحديث عن "انتظار القانوني والمؤسساتي" يفترض مسبقًا وجود حدٍّ أدنى من الثقة بين المواطن وتلك المؤسسات، وهي ثقةٌ تلقت ضرباتٍ قاصمة خلال سنوات الحرب. جزءٌ كبيرٌ من الجمهور المتفاعل مع قضية المنزول اليوم، وخصوصًا ممن عايشوا تحولات العقد الماضي، ينظر إلى المؤسسات الرسمية بعين الشك والريبة، ليس بسبب هذه القضية بذاتها، بل بسبب تراكم خبرات سابقة صنعت ما يمكن تسميته اتصاليًّا بـــِ "أزمة المصداقية المؤسساتية".
في مواجهة هذا الواقع المركب، يصبح السؤال الاتصالي الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن للمواطن الذي فقد ثقته بالمؤسسات، لكنه لا يريد الانزلاق إلى فوضى المحاكمات الشعبوية على فايسبوك، أن يتّخذ موقفًا مسؤولًا؟
تقترح مبادئ التربية الإعلامية في مثل هذه السياقات الانتقالية استراتيجية بديلة هي "المراقبة النشطة" بدلًا من "إصدار الأحكام". وتعني هذه الاستراتيجية أن يتابع الفرد تطورات القضية عبر أكثر من مصدر، وأن يبحث عن الوثائق المتاحة للعلن من كلا الطرفين، وأن ينتبه إلى لغة الخطاب المستخدمة ومدى مهنيّتها، دون أن يصل إلى مرحلة إعلان الانتصار لطرف أو إدانة الآخر. هذا الموقع الوسطي ليس ضعفًا أو تردّدًا، بل ممارسةٌ اتصالية واعية تستجيب لواقع مؤسساتي هش، وفي الوقت نفسه ترفض التحول إلى جزءٍ من مشكلة الاستقطاب والتضليل. فبناء الثقة المفقودة لا يبدأ من إعلانات النوايا، وإنّما يترسخ عبر تراكم ممارسات شفافة من المؤسسات، وفرصٍ يمنحها الجمهور للرقابة والمتابعة بدلًا من القطيعة المسبقة أو الانحياز الأعمى.
ومع اتساع دائرة الاهتمام، يصبح السؤال: كيف تعامل الإعلام والجمهور مع هذا الزخم؟ تسلّط قضية منزول آل السباعي الضوء على الدور الذي يلعبه الإعلام والجمهور في التعامل مع القضايا الحساسة، وخصوصًا تلك التي تتداخل فيها الأبعاد القانونية والتاريخية والاجتماعية. فالمسؤولية الاجتماعية للإعلام تقتضي تقديم المعلومات بدقة، وتجنّب إصدار الأحكام المسبقة، والابتعاد عن الخطاب الانفعالي الذي قد يزيد من حدّة الاستقطاب. وفي المقابل، يتحمل الجمهور مسؤولية مماثلة في التعامل مع المعلومات المتداولة، عبر التمييز بين الرأي والخبر، والبحث عن المصادر الموثوقة، وعدم الانجرار وراء السرديات العاطفية التي قد تضلّل أو تشوّه الحقائق. وفي مثل هذه القضايا، يصبح الهدوء المعرفي ضرورة، لأن أي نقاش غير متخصص قد يساهم في تعقيد المشهد بدلًا من توضيحه.
وفي السّياق نفسه، إذا افترضنا أنّ أيّ طرفٍ من الأطراف المعنيّة يرى أن تحويل مسألة محلية أو مشكلةٍ إدارية أو قانونية إلى قضيّة رأيٍ عام هو جزءٌ من استراتيجيته، فإن علم الاتصال الجماهيري يقدّم إطارًا واضحًا لكيفيّة إدارة ذلك بطريقةٍ تحافظ على المهنية والمسؤولية المجتمعية. تستند الحملات الاتصالية الفعّالة في مثل هذه الحالات إلى ثلاث ركائز أساسيّة:
الركيزة الأولى هي وضوح الهدف الاتصالي. فمن الضروري التمييز بين أهدافٍ مختلفة قد تختلط في العقلية الجمعية: هل الهدف هو الضّغط لتغيير قرارٍ إداريّ؟ أم توثيق الذاكرة الجمعية المرتبطة بالمكان؟ أم كسب تعاطف شريحة أوسع من الجمهور؟ كل هدفٍ من هذه الأهداف وغيرها يتطلب أدوات خطابية واستراتيجيّات منصات مختلفة تمامًا. وضوح الهدف يمنع تضارب الرسائل ويحمي مصداقية الطرف القائم بالحملة.
الركيزة الثانية هي التحوّل من الخطاب الإنشائي إلى التوثيق البصري والسردي. تشير دراسات الاتصال الحديثة إلى ميل الجمهور نحو التفاعل مع المحتوى "المرئي" أكثر من المحتوى "النصّي". تقديم وثائق بصرية، صور أرشيفيّة، شهادات مسجلة لكبار السن، وتوثيق معماري للمكان، كلها أدوات تحول القضية من إطار النزاع إلى إطار التراث الإنساني المشترك. هذا التحول يوسع قاعدة المتعاطفين دون الدخول بالضرورة في مواجهة مع الطرف الآخر.
وأخيرًا، تتمحور الركيزة الثالثة لنجاح أيّ حملة لحشد الرأي العام حول توحيد المرجعية الاتصالية. فمن أكثر الإشكاليّات التي تواجه القضايا المطروحة في الفضاء الرقمي تعدد الأصوات غير المنسّقة. إن وجود متحدّث رسمي واحد، أو لجنة تواصل محددة، تتبنى خطابًا متسقًا وهادئًا، يحمي القضية من التشويش والاجتهادات الفردية التي قد تضعف الموقف العام.
ومن المهم أيضًا إشراك الخبراء والجهات المختصة في النقاش منذ البداية، لأن حضورهم يمنح القضية مصداقيةً ويمنع انتشار التفسيرات غير الدقيقة. وفي كل مراحل الحراك، يجب اعتماد لغة هادئة تركز على الحلول لا الاتهامات، وعلى بناء الجسور مع المؤسسات بدلًا من افتعال صدامٍ معها. وعندما تدار القضية بهذه الطريقة، يصبح من الممكن الوصول إلى حل يرضي الأطراف المعنية، ويحمي المصلحة العامة، ويضمن استدامة الأثر بدلّا من تحوّل النقاش إلى موجةٍ عابرة أو صراعٍ غير منتج.
تظهر قضية منزول آل السباعي أن النقاش العام حول القضايا التراثية والقانونية ذات الأبعاد المجتمعية لا ينفصل عن الطريقة التي تقدم بها المعلومات، ولا عن مستوى الوعي الذي يدار به الحوار بين المؤسسات والمجتمع. فحين تتداخل الذاكرة الجمعية مع السجلات الرسمية، يصبح تباين الروايات وتعدد القراءات طبيعيًّا - بل ومتوقعًا - لكن ما يضمن الوصول إلى حلٍّ عادل ومستدام هو اعتماد مسار هادئ يستند إلى المعرفة لا الانفعال، وإلى الشفافية لا التأويل. وبين الوثيقة والذاكرة، يبقى الحوار المسؤول الطريقَ الأضمن لفهم الحقيقة وبناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.