طرحت وزارة النفط مادة المازوت بثلاث شرائح سعرية، فيما حدد خبراء اقتصاديون تحديات أمام آلية التسعير الجديدة، أبرزها تكلفة الاستيراد وضبط التوزيع ومنع تسرب المادة المدعومة وانعكاس أسعار الطاقة على الإنتاج والتدفئة.
3 أسعار.. كيف تعمل الآلية الجديدة؟
أعلن وزير الطاقة محمد البشير خلال مؤتمر صحفي طرح ثلاثة أنواع من المازوت بمواصفات وأسعار مختلفة بحسب طبيعة الاستخدام، بدلاً من حصر السوق بمنتج واحد مرتفع المواصفة والتكلفة.
وبموجب الآلية الجديدة، يبلغ سعر المازوت المدعوم 115 ليرة لليتر، ويوجه للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، فيما يبلغ سعر النوع الثاني 150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، ويستمر المازوت بالمواصفات القياسية بسعر 175 ليرة لليتر.
وتقرر إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من النفط الخام، بإدارة وإشراف الشركة السورية للبترول، على أن يخصص كامل إنتاجها من المازوت للنوع المدعوم.
ويرى المستشار الاقتصادي الدكتور زياد عربش أن تعدد الشرائح يربط سعر المادة بطبيعة الاستخدام، ولا سيما توجيه السعر المدعوم للتدفئة والزراعة، لكنه يشدد على أن نجاح الآلية يرتبط بوضوح معايير الاستحقاق والرقابة على التوزيع.
108 آلاف برميل مقابل 300–350 ألفاً.. أين تكمن الفجوة؟
توضح بيانات وزارة الطاقة أن إنتاج سوريا الحالي من النفط يبلغ نحو 108 آلاف برميل يومياً، مقابل احتياجات تتراوح بين 300 و350 ألف برميل من النفط الخام، بعد انخفاض الإنتاج نتيجة إغلاق عدد من الآبار لإعادة تأهيلها، بعدما تراوح عند دخول الفرق الفنية إلى الحقول بين 140 و150 ألف برميل يومياً.
ولا يتحول الخام المنتج محلياً بالكامل إلى بنزين ومازوت، إذ إن جزءاً منه ثقيل ولا يتوافق بالكامل مع قدرات ومواصفات التكرير المتاحة، ما يبقي الاستيراد جزءاً أساسياً من تأمين المشتقات.
وتبلغ حاجة السوق من المازوت نحو 7.72 ملايين ليتر يومياً، منها 3.09 ملايين ليتر إنتاج محلي و4.63 ملايين ليتر مستورد، أي أن نحو 60 بالمئة من الإمدادات تعتمد على الاستيراد.
206 ليرات كلفة الليتر.. كم يبلغ الدعم؟
تتزامن الضغوط السعرية مع ارتفاع تكلفة تأمين المشتقات عالمياً، ودخول مصفاة بانياس في عمرة شاملة وضرورية ، ما يزيد الحاجة مؤقتاً إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.
وبحسب وزارة الطاقة، تبلغ تكلفة ليتر المازوت بالمواصفات القياسية نحو 206 ليرات، مقابل سعر بيع يبلغ 175 ليرة، أي بفارق 31 ليرة في الليتر.
ويرى عربش أن هذه المعادلة تعكس التحدي بين ارتفاع تكلفة الاستيراد والشحن والتأمين من جهة، وقدرة المستهلك والقطاعات الإنتاجية على تحمل التكلفة من جهة أخرى.
كما تستهدف أعمال عمرة بانياس رفع كفاءة المصفاة وطاقتها التكريرية إلى نحو 130 ألف برميل يومياً، بما يعزز قدرة التكرير المحلية ويخفف الحاجة إلى استيراد المشتقات الجاهزة بعد عودة المصفاة إلى العمل.
الدعم تحت اختبار التوزيع
ويرى الخبير في اقتصاديات الشرق الأوسط الدكتور خالد التركاوي، أن التحدي لا يتعلق بسعر المازوت وحده، بل بإدارة تكلفته وتوزيعه، محذراً من أن تعدد الأسعار يحتاج إلى آليات دقيقة لمنع تسرب المادة المدعومة إلى قنوات غير مخصصة لها.
وفي هذا الإطار، أوضحت وزارة الطاقة أن آلية تحديد المستحقين يجري إعدادها بإشراف الشركة السورية للبترول، مع تطوير إجراءات الرقابة لمنع الغش وخلط المواد أو استخدامها في غير الغايات المحددة.
وبحسب الشركة السورية للبترول، ستكون المادة بالمواصفات القياسية متاحة في جميع المحطات، فيما تتوافر المادة الثانية في نحو 80 إلى 85 بالمئة منها، وتخصص نحو 15 بالمئة من المحطات للمادة الموجهة للاستخدامات المجتمعية والحالات الهشة والقطاعات الخدمية.
الشتاء والزراعة والنقل.. أين يظهر الأثر؟
لا يتوقف أثر أسعار المازوت عند محطات الوقود، إذ يمكن أن ينعكس على النقل والشحن وتكاليف الإنتاج والخدمات، وهو ما يجعل انتظام الإمدادات وتوافر المادة بالسعر المخصص لكل فئة عاملاً أساسياً في الحد من انتقال تكلفة الطاقة إلى أسعار السلع.
واعتبر التركاوي أن اقتراب الشتاء يضع توافر المازوت للتدفئة إلى جانب سعره أمام اختبار عملي، فيما تعتمد قطاعات الزراعة والصناعة والإنشاءات والخدمات بدرجات مختلفة على الديزل.
وفي القطاع الزراعي، أوضح الخبير التنموي أكرم عفيف أن تخصيص المازوت بسعر 115 ليرة يمكن أن يخفف تكلفة تشغيل الآليات والري، داعياً بالتوازي إلى التوسع في استخدام الطاقة البديلة للري واعتماد وسائل ري حديثة ومقننة للحد من استنزاف المياه.
وشدد على ضرورة إدخال القطاع الزراعي إلى غرفة الإنعاش التنموي، لتقليل التكاليف وتحسين الإنتاج.
وحذر عفيف من أن فارق الأسعار يتطلب رقابة دقيقة لمنع التسرب والمضاربة، مقترحاً أتمتة التوزيع وتمييز الأنواع ومتابعة حركة المادة من المصافي إلى محطات الوقود والمستهلكين.
من إدارة الكلفة إلى تقليص فجوة الاستيراد
لا تقتصر معالجة قطاع الطاقة على التسعير، إذ تتجه وزارة الطاقة على المدى الأطول إلى زيادة إنتاج النفط والغاز، وإعادة تأهيل الحقول والآبار، وتوسيع قدرات التكرير، وتحديث المصافي وخطوط النقل والمنشآت الاستراتيجية، وزيادة التخزين وتنويع مصادر التوريد وجذب الاستثمارات والشراكات.
وتظهر بيانات النصف الأول من 2026 حجم النشاط في القطاع، إذ بلغ إنتاج النفط الخام 14.8 مليون برميل، وإنتاج الغاز الطبيعي الخام 1.429 مليار متر مكعب، فيما تجاوز إنتاج المشتقات النفطية 3.5 ملايين طن.
ويتفق الخبراء الثلاثة على أن قرار تعدد أسعار المازوت يمثل استجابة سريعة لضغوط السوق، مؤكدين أن فعالية صيغة الأسعار الثلاثة تبقى مرتبطة بقدرتها على تحقيق هدفين متوازيين: تأمين المازوت للفئات والقطاعات المحددة بأسعار أقل، وضمان عدم تحول فروقات الأسعار إلى منفذ للتسرب أو المضاربة، بالتوازي مع زيادة الإنتاج والتكرير المحليين وتقليص الاعتماد على المشتقات المستوردة