عن القدس العربي
رغم إقرار النظام، لم ينشر المجلس نسخته الرسمية الكاملة، وبقيت المعلومات موزعة بين تصريحات الأعضاء والتغطيات الإعلامية. ويمثل نشره أول اختبار لمبدأ العلنية.
أقر مجلس الشعب السوري نظامه الداخلي الجديد، المؤلف من 231 مادة موزعة على 11 باباً، بعد خمسة أيام من المناقشات. ويتجاوز النظام طابعه الإجرائي المتعلق بإدارة الجلسات واللجان والتصويت، ليحدد عملياً حدود حركة المجلس خلال المرحلة الانتقالية، وعلاقته برئيس الجمهورية والحكومة، والأدوات المتاحة له في التشريع والرقابة.
وكانت المسودة الأولى تتضمن 227 مادة، قبل أن يضيف الأعضاء أربع مواد ويعدلوا أحكاماً أخرى. ومع ذلك، لم تُنشر حتى الآن النسخة الرسمية الكاملة، ما يحول دون معرفة الصياغات النهائية للتعديلات وحجم أثرها في توزيع الصلاحيات داخل المجلس. ويعد النظام أول نص يقره المجلس بعد انتخاب مكتبه، برئاسة عبد الحميد العواك، وعضوية نائبيه مصطفى موسى ومادونا بشارة، وأمين السر مؤيد حبيب، لينتقل من ترتيب شؤونه الداخلية إلى اختبار قدرته على إنتاج القوانين ومتابعة أداء السلطة التنفيذية.
وشهدت المواد الأولى مداخلات واسعة حول مدة ولاية مكتب المجلس، وعلنية الجلسات، وتشكيل اللجان، وأدوات الرقابة على الحكومة. وكانت تقارير سابقة لـ«القدس العربي» قد كشفت أن المجلس توقف طويلاً عند المواد الثلاثين الأولى، قبل أن يسرع وتيرة التصويت ويقر الجزء الأكبر من المسودة خلال جلسات امتدت إلى ساعات المساء.
وأثار الانتقال من المناقشة التفصيلية إلى التصويت المتسارع تساؤلات حول الوقت الذي حظيت به المواد اللاحقة، بعدما كان بعض الأعضاء يتوقعون استمرار الاجتماعات نحو عشرة أيام. إلا أن المجلس أنهى العمل خلال خمسة أيام، وقلّص المداخلات وأحال الملاحظات إلى لجنة الصياغة المؤلفة من 17 عضواً، والتي أعدت المسودة استناداً إلى الإعلان الدستوري.
ولا يستطيع النظام الداخلي استحداث صلاحيات لم يمنحها الإعلان للمجلس، لكنه يحدد إجراءات استخدامها، مثل عدد النواب اللازم لتقديم الطلبات، والمهل القانونية، وآليات إحالة القوانين إلى اللجان، والأغلبيات المطلوبة للتصويت. وتكمن أهمية هذه التفاصيل في أن النص الدستوري قد يمنح المجلس حق الاستماع إلى الوزراء أو اقتراح القوانين، بينما تحدد القواعد الداخلية ما إذا كانت هذه الصلاحيات قابلة للاستخدام الفعلي أو ستبقى محدودة بالإجراءات.
مكتب ثابت وصلاحيات مركزة
حسم النظام مدة عمل مكتب المجلس، بعد طرح اقتراح بإعادة انتخاب الرئيس ونائبيه وأمين السر عند منتصف الولاية، وانتهى إلى استمرارهم طوال مدة المجلس، المحددة بثلاثين شهراً قابلة للتجديد. وفي المقابل، أتاح لثلث الأعضاء تقديم طلب معلل لإعفاء أحد أعضاء المكتب، إلا أن فاعلية هذه الآلية تتوقف على الأغلبية المطلوبة والشروط الإجرائية التي لم تنشر بعد.
ولا يقتصر نفوذ رئيس المجلس على إدارة الجلسات، إذ تكشف المواد 21 و22 و23 عن تركّز صلاحيات تنظيمية وإدارية واسعة بيده، بصفته ممثل المجلس والمتحدث باسمه والمشرف على تطبيق النظام الداخلي وتنظيم أعمال المؤسسة وعلاقاتها. ويبدو دور النائبين أقرب إلى مساعدته والحلول محله عند غيابه، فيما تمنحه صلاحياته قدرة على تنظيم المداخلات وإحالة الموضوعات والإشراف على أجهزة المجلس والتأثير في تشكيل قيادات اللجان.
ولا تكمن الإشكالية في منحه صلاحيات ضرورية لإدارة المؤسسة، وإنما في ضعف التوازن بينها وبين صلاحيات المكتب واللجان والأعضاء. فاجتماع إدارة الجلسات وتمثيل المجلس والإشراف الإداري والتأثير في تشكيل اللجان بيد الرئيس يمنحه قدرة على توجيه الأولويات ومسارات التشريع والرقابة، خصوصاً مع استمرار المكتب طوال الولاية. لذلك يغدو حق الأعضاء في الاعتراض وطلب إدراج الموضوعات ومساءلة الرئاسة ضمانة أساسية لمنع اختزال المجلس في رئيسه.
علنية قابلة للتقييد
قرر النظام أن تكون جلسات مجلس الشعب علنية، وأن تنقل عبر الوسائل التي يحددها مكتب المجلس. كما أجاز وقف البث بطلب معلل، وعقد جلسة سرية لأسباب مرتبطة بالأمن الوطني، بطلب من رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس أو عُشر الأعضاء.
ويجعل هذا الترتيب العلنية قاعدة قابلة للتقييد، لأن مكتب المجلس يحتفظ بتحديد وسيلة البث، بينما لم تنشر المعايير الدقيقة لوقفه أو الانتقال إلى السرية. وقد تكون السرية مبررة في الملفات العسكرية والأمنية، إلا أن اتساع مفهوم الأمن الوطني قد يسمح باستخدامه في قضايا يفترض أن تبقى مفتوحة أمام الجمهور. وتزداد أهمية ذلك بعدما جرت مناقشة النظام نفسه من دون بث مباشر، بذريعة طول الجلسات والحاجة إلى مساحة أكثر حرية للنقاش.
ولن يقاس تطبيق العلنية بالبث المباشر وحده، بل بنشر جداول الأعمال والمحاضر ونتائج التصويت ومواقف الأعضاء. فقد اعتمد النظام التصويت العلني قاعدة عامة، مع إمكان اللجوء إلى الاقتراع السري في حالات استثنائية توافق عليها الأغلبية، إلا أن قيمة هذا النص تتوقف على نشر النتائج بأسماء النواب، لا الاكتفاء بأعداد الموافقين والمعترضين.
لجان متعددة ونفوذ غير مضمون
وزع النظام أعمال المجلس على 25 لجنة دائمة تشمل المجالات الدستورية والمالية والأمنية والاقتصادية والخدمية والاجتماعية، إلى جانب اختصاصات مرتبطة بالعدالة الانتقالية والسلم الأهلي وحقوق ضحايا الحرب والتحول الرقمي والأسرة والمرأة. كما أضيفت لجنة للشؤون الدبلوماسية والقنصلية بعد اعتراضات على غياب ملف العلاقات الخارجية، واستحدثت لجنة للمنافذ والجمارك.
ويعكس تعدد اللجان اتساع الملفات التي يفترض بالمجلس متابعتها، لكنه لا يضمن فاعليتها. فالقيمة الحقيقية لأي لجنة تتوقف على قدرتها على طلب الوثائق، والاستماع إلى الوزراء والمسؤولين، والاستعانة بالخبراء، ونشر تقاريرها ومتابعة تنفيذ توصياتها.
أما إذا بقيت اجتماعات اللجان مغلقة، أو لم تلتزم الوزارات بتقديم المعلومات، أو ظلت توصياتها غير ملزمة، فستتحول إلى أطر إدارية لتوزيع الأعضاء أكثر منها أدوات للتشريع والرقابة.
التشريع وحدود التوازن مع الرئاسة
اشترط النظام موافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس لإقرار قوانين الانتخابات والأحزاب والسلطة القضائية ومجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا والعدالة الانتقالية. ويمنع ذلك تمرير القوانين الأساسية بأصوات عدد محدود من الحاضرين، لكنه قد يصعّب إقرارها في مجلس لا توجد فيه كتل سياسية معلنة أو أكثرية مستقرة.
وينظم النظام مسار مشاريع القوانين الواردة من رئيس الجمهورية، بحيث تدرج في جدول أعمال أول جلسة بعد وصولها، ثم تحال إلى اللجنة المختصة. كما يسمح للأعضاء بتقديم اقتراحات قوانين، لكن الشروط المتعلقة بعدد مقدمي الاقتراح والمهل المخصصة لدراسته لم تُكشف بعد. ولا يقاس استقلال المجلس بعدد المشروعات التي يقدمها أعضاؤه فقط، وإنما بقدرته على تعديل مشاريع السلطة التنفيذية أو رفضها، وعدم الاكتفاء بتحسين صياغتها القانونية.
ويحق لرئيس الجمهورية إعادة القانون إلى المجلس خلال شهر من وروده إليه، شرط أن يكون اعتراضه معللاً. إلا أن الملخصات المنشورة لم تكشف الأغلبية اللازمة لإقرار القانون مجدداً، وهي نقطة أساسية في تحديد التوازن بين السلطتين. فإمكان تجاوز الاعتراض بأغلبية عادية يمنح المجلس مساحة أوسع للدفاع عن قراره، بينما يؤدي اشتراط أغلبية مرتفعة إلى جعل الاعتراض الرئاسي قريباً من حق نقض يصعب تجاوزه.
كما يتولى المجلس التصديق على المعاهدات والاتفاقيات الدولية أو رفضها، ويتوقف الوزن الحقيقي لهذه الصلاحية على أنواع الاتفاقيات التي يجب عرضها، والوقت والمعلومات التي يحصل عليها النواب قبل التصويت، خصوصاً في الاتفاقيات التي ترتب التزامات سياسية أو مالية أو أمنية طويلة الأمد.
رقابة بلا ثقة
يتيح النظام عقد جلسات استماع للوزراء، وتوجيه الأسئلة، ومتابعة الملفات الحكومية داخل اللجان، وطلب المعلومات، إلى جانب إقرار الموازنة ومناقشة السياسات المرتبطة بالإنفاق العام. غير أنه لا يستطيع إنشاء أدوات لم يمنحها الإعلان الدستوري؛ فالحكومة لا تحتاج إلى نيل ثقة المجلس عند تشكيلها، ولا يملك النواب إسقاطها أو حجب الثقة عنها.
وبذلك تتركز الرقابة في مساءلة الوزراء سياسياً، وكشف أوجه الخلل، وتعديل الموازنة والقوانين، من دون الوصول إلى إنهاء ولاية الوزير أو الحكومة بقرار برلماني. وسيتحدد وزن هذه الرقابة بمدى إلزام الوزراء بالحضور والإجابة، وحق النواب في التعقيب، وإمكان تحويل السؤال إلى مناقشة عامة أو لجنة تحقيق.
أما إذا بقي حضور المسؤولين اختيارياً، وانتهت الجلسات بتوصيات غير ملزمة، فستظل الرقابة محدودة مهما ارتفع عدد الأسئلة والمداخلات.
حصانة ومحظورات سياسية
أكد النظام عدم جواز اتخاذ إجراءات جزائية بحق عضو المجلس أو توقيفه خارج حالة الجرم المشهود، إلا وفق إجراءات رفع الحصانة. وتهدف هذه الحماية إلى منع استخدام الملاحقات للتأثير في مواقف النواب، من دون إعفائهم من المسؤولية الجنائية.
وفي المقابل، حظر النظام تمجيد النظام السابق أو إنكار جرائمه، ومنع الدعوة إلى تقسيم سوريا أو انفصال أي جزء منها. وتحتاج هذه المحظورات إلى تعريفات واضحة تميز بين الدعوة إلى الانفصال وبين النقاش حول اللامركزية وتوزيع الصلاحيات، حتى لا تتحول العبارات العامة إلى أداة لتقييد المواقف السياسية داخل المجلس.
كما لم تظهر حتى الآن كتل سياسية منظمة، وهو ما قد يمنح النواب حرية فردية في التصويت، لكنه يفتح المجال أمام تحالفات شخصية أو مناطقية غير معلنة، يصعب على الرأي العام معرفة مصالحها أو محاسبتها.
ورغم إقرار النظام، لم ينشر المجلس نسخته الرسمية الكاملة، وبقيت المعلومات موزعة بين تصريحات الأعضاء والتغطيات الإعلامية. ويمثل نشره أول اختبار لمبدأ العلنية، لأنه لا ينظم شؤون النواب وحدها، بل يحدد آليات التشريع ومساءلة الوزراء وعقد الجلسات السرية ورفع الحصانة وضبط سلوك الأعضاء.
وينتقل المجلس الآن إلى تشكيل لجانه ومواجهة ملفات الموازنة والاقتصاد وإعادة الإعمار والعدالة الانتقالية. وسيتحدد موقعه السياسي بقدرته على تعديل القوانين أو رفضها، والحصول على المعلومات من الحكومة، وإتاحة أعماله للرأي العام، فيما تبقى المواد واللجان والدورات إطاراً تنظيمياً لا يكتسب قيمته إلا بتحوله إلى ممارسة تشريعية ورقابية مستقلة.