غوتيريش.. من خطاب الانتقاد والإدانة إلى دعم مسار سوريا بعد التحرير

السبت, 25 يوليو - 2026
امين عام الامم المتحجة انطونيو غوتيريش
امين عام الامم المتحجة انطونيو غوتيريش

تأتي زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش المرتقبة إلى سوريا، في لحظة سياسية تعيد رسم ملامح مقاربة الدبلوماسي الأممي للملف السوري، بعد سنوات وجّه خلالها إدانات صارمة وانتقادات حادة للنظام البائد، لينتقل إلى رؤية ومواقف أكثر انفتاحاً ودعماً للمسار السياسي بعد التحرير.

غوتيريش.. شخصية أممية محورية

منذ تولّيه منصبه أميناً عاماً للأمم المتحدة عام 2017، برز غوتيريش كدبلوماسي حريص على التوازن بين المبادئ الإنسانية ومتطلبات العمل الدولي، لكن على الرغم من لغته الهادئة فإنه لم يكن بعيداً عن إدانة السياسات القمعية للنظام البائد، وتوجيه الاتهامات المباشرة والمتكررة إليه بعرقلة عمل لجان التحقيق الأممية، وسحب مواد طبية وإغاثية أساسية من قوافل المساعدات الأممية الموجهة للمناطق المتضررة.

وما بين الانتقادات والمطالبات بإحالة الملف السوري إلى المحكمة الجنائية الدولية لكشف انتهاكات النظام البائد والمحاسبة عليها، وبين انتقاله إلى موقف أكثر انفتاحاً ودعماً للمسار السياسي الجديد لسوريا بعد التحرير، برز التباين الواضح في خطاب غوتيريش الذي تحوّل من نهج تصعيدي يحمّل النظام مسؤولية القمع والقتل، إلى مقاربة تستند إلى دعم إعادة تشكيل المشهد السوري وبناء مؤسسات المرحلة المقبلة.

تحفّظ ما قبل التحرير

وخلال سنوات الثورة السورية، اتسمت تصريحات غوتيريش الذي شغل منصب رئيس وزراء البرتغال بين عامي 1995 و2002، وعمل مفوضاً للأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين بين عامي 2005 و2015، بنبرة انتقادية حادة ركز من خلالها على ضرورة وقف العنف ضد المتظاهرين السلميين.

وإلى جانب تأكيده المستمر على ضرورة أن يصنع السوريون مستقبل بلدهم عبر عملية سياسية شاملة، طالب غوتيريش مجلس الأمن الدولي في أكثر من مناسبة بإحالة ملف سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية.

وفي الـ 25 من نيسان عام 2018، شدد الأمين العام للأمم المتحدة على وجوب محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني في سوريا، وقال في إشارة إلى جرائم النظام البائد: “بعد إصدار 50 تقريراً شهرياً، وتقديم ما لا يحصى من الإحاطات الإعلامية إلى مجلس الأمن، ما زلت أتلقى تقارير يومية عن هجمات ضد المدنيين والبنية التحتية المدنية”.

انفتاح ورؤية جديدة بعد التحرير

ورغم مواقفه الصارمة إزاء انتهاكات النظام المجرم، حافظ غوتيريش على مسافة دبلوماسية دقيقة لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في مسعى للدفع باتجاه حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات.

ومع سقوط النظام البائد في الـ8 من كانون الأول عام 2024، أعاد غوتيريش صياغة نظرته للملف السوري، ففي بيانه عقب التحرير، وصف الحدث بأنه “فرصة تاريخية لبناء مستقبل مستقر وسلمي”، مشيداً بصمود السوريين وشجاعتهم.

وفي الذكرى السنوية الأولى للتحرير، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بوضوح أنه

بات بإمكان السوريين “اغتنام هذه الفرصة التاريخية لبناء مستقبل مستقر وسلمي، بعد 14 عاماً من الحرب الوحشية وسقوط النظام الديكتاتوري”، مؤكداً أن المرحلة الجديدة تتجاوز مجرد انتقال سياسي، وتمثّل بداية لإعادة بناء المجتمعات، ومداواة الانقسامات، وتأسيس دولة حديثة تستعيد سيادتها ووحدتها.

ويعكس هذا التحوّل في الخطاب انتقال غوتيريش من التركيز على المخاطر والانتهاكات إلى التركيز على الإمكانات والفرص، ومن التحفّظ والقلق إلى الانفتاح على دعم المسار السوري الجديد.

زيارة ذات رمزية خاصة

أما زيارة غوتيريش المرتقبة التي تعتبر الأولى لأمين عام الأمم المتحدة منذ عام 2009، فإنها تأتي في لحظة سياسية دقيقة تتجه فيها سوريا نحو بناء مؤسسات جديدة.

وبذلك تتجاوز الزيارة طابعها الدبلوماسي البروتوكولي، لتشكل مؤشراً على تحول أممي في مقاربة ملف سوريا، وتعكس تغيراً واضحاً في نظرة غوتيريش إلى مستقبل البلاد.

كما أنها تأتي استكمالاً للمواقف التي أعلنها غوتيريش منذ تحرير سوريا في الـ8 من كانون الأول 2024، مع تأكيده الراسخ على وقوف الأمم المتحدة إلى جانب الشعب السوري، واستعدادها لدعم المرحلة الجديدة في البلاد، وتعزيز جهود بناء المؤسسات وترسيخ الاستقرار، مع التشديد على احترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدتها.