فيلم “الباص الأخضر” يوثّق ذاكرة التهجير القسري في عرض خاص بدار الأوبرا بدمشق

الاثنين, 7 سبتمبر - 2026
فيلم الباص الأخضر
فيلم الباص الأخضر

.

استعاد فيلم “الباص الأخضر.. حكايا التهجير القسري” للمخرج فادي بعاج في عرضه مساء اليوم بدار الأوبرا بدمشق، ذاكرة التهجير التي عاشها عدد من السوريين على يد النظام البائد، مقدّماً معالجة وثائقية تعتمد على شهادات مباشرة وصور تعبيرية تعيد بناء تفاصيل الرحلة القسرية، وذلك ضمن فعالية نظمتها وزارة الثقافة.

ويتتبع الفيلم شهادات أربع شخصيات سورية تنتمي إلى حمص وحوران وحلب والغوطة الشرقية، لتشكّل تجاربها الفردية خيطاً سردياً يربط مراحل متعاقبة من التهجير، ويضع الإنسان في مركز الحكاية بعيداً عن الأرقام والتوصيفات المجردة، ويستعين العمل بلغة بصرية ذات منحى تعبيري، عبر إعادة بناء مشاهد وتفاصيل تستحضر ذاكرة أصحابها، بما يمنحه بعداً درامياً دون أن يفقد طابعه الوثائقي.

ذاكرة الألم في تجربة أبطال الفيلم

ويقول المخرج فادي بعاج في تصريح لـ سانا: إن الفيلم يتألف من جزأين، أُنجز الأول قبل تحرير عدد من المناطق من قبضة النظام البائد، فيما صُوّر الجزء المتعلق بضيوف الفيلم لاحقاً، معتبراً أن اختيار وزارة الثقافة لهذا التوقيت لعرضه يحمل دلالة خاصة، ولا سيما أن بعض المشاركين لم يتوقعوا أن يصل العمل إلى العرض في دار الأوبرا.

ويرى بعاج أن مهمة الفيلم الوثائقي تكمن في توثيق مراحل محددة، حتى عندما تكون مؤلمة، مؤكداً أن مرحلة “الباص الأخضر” كانت قاسية، وأنه تعامل معها بوصفها جزءاً من الذاكرة التي ينبغي تسجيلها بالصورة والشهادة.

ويضيف أن العمل اقترب من التجربة الإنسانية لأبطاله عبر شهاداتهم وذكرياتهم، مع توظيف لقطات تعبيرية تعيد إحياء صور يصعب قولها بالكلمات، ما أبقى الفيلم في دائرة التوثيق مع مساحة درامية تخدم الحكاية.

دلالة الباص الأخضر في الذاكرة السورية

ويحمل عنوان الفيلم دلالة تتجاوز الحافلة بوصفها وسيلة نقل، إذ ارتبطت الحافلات الخضراء في الذاكرة السورية بعمليات الإجلاء والتهجير التي رافقت اتفاقات فرضها النظام البائد على مناطق محاصرة خلال سنوات الثورة.

وتشير مصادر توثيقية إلى أن استخدام هذه الحافلات بدأ من حمص القديمة عام 2014، قبل أن تتحول إلى رمز بصري لعمليات تهجير لاحقة في حمص وريف دمشق وحلب ودرعا وغيرها، وهي عمليات ارتبطت في الوعي العام بسياسات النظام البائد تجاه المناطق المحاصرة.

السينما كأداة لحفظ الذاكرة

ولا يقدّم الفيلم التهجير باعتباره حدثاً عابراً ينتهي بانتهاء الرحلة، بل يقترب من تبعاته النفسية والاجتماعية، ومن العلاقة التي تستمر بين المهجّر ومكانه الأول حتى بعد مغادرته، وتتداخل في العمل حكايات الأشخاص مع ذاكرة المدن والأحياء التي خرجوا منها، لتتحول الشهادة الفردية إلى جزء من ذاكرة جماعية أوسع، وتصبح السينما وسيلة لإبقاء التجربة حاضرة أمام الأجيال المقبلة.

ويكتسب عرض الفيلم في دار الأوبرا أهمية خاصة من حيث انتقال حكاية ارتبطت لسنوات بمناطق محاصرة ومهجّرة إلى فضاء ثقافي عام، بما يتيح للجمهور مشاهدة تجربة وثائقية تتعامل مع الذاكرة بوصفها مادة فنية وإنسانية.

وبين الشهادة والصورة، يسعى فيلم “الباص الأخضر.. حكايا التهجير القسري” إلى تحويل الذاكرة المؤلمة إلى وثيقة فنية تحفظ حكايات أصحابها، وتمنح السينما دوراً في مساءلة الماضي واستعادة أصوات الذين مرّوا بتجربة الاقتلاع من المكان