تمر اليوم الذكرى السبعون لصدور قانون العشائر رقم 31 في سوريا، الذي أقره مجلس النواب في 13 حزيران/يونيو 1956، بعد أن أعاد رئيس الجمهورية القانون إلى البرلمان من دون توقيع بسبب تحفظاته عليه، ليعيد النواب إقراره ويصبح نافذاً بموجب أحكام الدستور آنذاك.
وجاء القانون في مرحلة كانت الدولة السورية تسعى خلالها إلى تنظيم شؤون العشائر البدوية ضمن ما عُرف بسياسة "تحضير البدو"، حيث اعترف رسمياً برؤساء العشائر ومختاري الأفخاذ، ومنح مديرية العشائر التابعة لوزارة الداخلية صلاحيات واسعة للإشراف على شؤونهم، كما أبقى على عدد من الأعراف والتقاليد العشائرية في تنظيم بعض العلاقات والحقوق الخاصة بأفراد العشائر.
ونظّم التشريع آليات انتخاب وعزل رؤساء العشائر والمخاتير، وحدد العشائر المشمولة بأحكامه في جداول ملحقة بالقانون، مع الإبقاء على خضوع أفراد العشائر للقوانين العامة في المسائل التي لم يرد بشأنها نص خاص.
حادثة تحت قبة البرلمان

وتتناقل شخصيات وطنية روايات عن جلسة مناقشة القانون داخل البرلمان السوري، من بينها شهادة السيد فراس الحاجي، الذي يروي أن الجلسة شهدت توتراً كبيراً أثناء مناقشة مشروع القانون.
وبحسب الحاجي، فإنه عندما وقف السياسي السوري الراحل أكرم الحوراني مؤيداً للقانون، أقدم الشيخ دهام الهادي الجربا على سحب مسدسه وتوجيهه نحوه احتجاجاً على موقفه، قبل أن يتدخل عدد من النواب لاحتواء الموقف.
وينقل الحاجي عن جده الشيخ نوري الحاجي أنه طلب من الشيخ دهام التراجع عن تصرفه، قائلاً: "تحت قبة البرلمان لا يحدث هكذا أمر، وإن كان لك معه شأن فحاسبه خارج البرلمان"، مشيراً إلى أن النائب نجدت نجاري تدخل أيضاً وسحب السلاح منه، قبل أن تستكمل الجلسة إجراءاتها ويُمرر القانون في نهاية المطاف.
وتبقى هذه الرواية جزءاً من الذاكرة الشفوية العشائرية المتداولة، وتُستحضر اليوم بوصفها دلالة على حدة النقاشات السياسية التي رافقت إقرار القانون في خمسينيات القرن الماضي.
نهاية القانون مع قيام الجمهورية العربية المتحدة
لم يستمر العمل بقانون العشائر طويلاً، فمع قيام الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر عام 1958، أصدر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر القرار بقانون رقم 166 بتاريخ 28 أيلول/سبتمبر 1958، والذي نص صراحة على إلغاء قانون العشائر وإخضاع أفراد العشائر لجميع القوانين والأنظمة المطبقة على سائر المواطنين في الإقليم السوري.
وجاء في المادة الأولى من القرار: "يلغى قانون العشائر الصادر بقرار رئيس مجلس النواب السوري رقم 31 وتاريخ 13/6/1956، ويخضع أفراد العشائر إلى كافة القوانين والقرارات والأنظمة المطبقة على المواطنين الحضريين في الإقليم".
وشكّل هذا القرار محطة مفصلية في تاريخ التشريع السوري، إذ أنهى الوضع القانوني الخاص بالعشائر، وكرّس مبدأ توحيد النظام القانوني على جميع المواطنين دون تمييز، في إطار السياسات الإدارية والقانونية التي رافقت مرحلة الوحدة السورية المصرية.
ويُنظر إلى قانون العشائر لعام 1956 بوصفه أحد آخر التشريعات السورية التي منحت البنية العشائرية إطاراً قانونياً مستقلاً، قبل أن يُطوى هذا الفصل نهائياً مع إلغائه أواخر خمسينيات القرن العشرين، ليبقى شاهداً على مرحلة انتقالية مهمة في تاريخ الدولة السورية وعلاقتها بالمجتمع العشائري.
وبعد سبعين عاماً على صدور قانون العشائر وإلغاء العمل به، لم يعد السؤال مطروحاً حول عودة التشريعات الخاصة بالعشائر، بقدر ما يتركز حول الدور الذي يمكن أن تؤديه في سوريا الجديدة. فالعشائر، بما تمتلكه من حضور اجتماعي وتاريخي واسع، ما تزال تمثل أحد المكونات الفاعلة في المجتمع السوري، الأمر الذي يفتح باب النقاش حول مدى مساهمتها في تعزيز السلم الأهلي ودعم الاستقرار والمشاركة في إعادة بناء البلاد. وبين إرث الماضي ومتطلبات الدولة الحديثة، يبقى مستقبل دور العشائر في سوريا الجديدة رهناً بقدرتها على التكيف مع مفهوم المواطنة وسيادة القانون، وبقدرة الدولة على استثمار ثقلها الاجتماعي في خدمة المصلحة الوطنية.