جامعو المواد القابلة للتدوير بين المخاطر والتهميش

جهان الخلف
الأحد, 14 يونيو - 2026
مصدر الصورة: خاصة بموقع السوري اليوم
مصدر الصورة: خاصة بموقع السوري اليوم

في وقت تتزايد فيه التحديات البيئية والاقتصادية في سوريا، يبرز جامعو المواد القابلة للتدوير كإحدى الركائز الأساسية لمنظومة إدارة النفايات، رغم ما يواجهونه من مخاطر صحية ومهنية ونظرة مجتمعية سلبية، في ظل غياب التنظيم الكافي والحماية القانونية التي تضمن لهم ظروف عمل آمنة وكريمة.


وتُعد إعادة التدوير من أهم الوسائل المستخدمة للحد من التلوث والحفاظ على الموارد الطبيعية، إذ تقوم على تحويل المخلفات إلى مواد ومنتجات جديدة قابلة للاستخدام مجدداً. 


وتشمل المواد القابلة لإعادة التدوير البلاستيك والورق والكرتون والزجاج والمعادن المختلفة مثل الألومنيوم والحديد، والتي يمكن إعادة تدويرها مرات عديدة دون فقدان جودتها. كما تشمل النفايات الإلكترونية التي يمكن تفكيكها واستخراج معادن مهمة .

 

إضافة إلى النفايات العضوية الناتجة عن بقايا الطعام وقشور الخضروات والفواكه، والتي يمكن تحويلها إلى سماد طبيعي غني بالمغذيات.


ورغم الأهمية البيئية والاقتصادية لهذا القطاع، فإن العاملين فيه يواجهون مخاطر يومية متعددة، تبدأ من التعرض للجروح الناتجة عن الزجاج المكسور والقطع المعدنية الحادة، وما قد تسببه من أمراض وإصابات خطيرة، وصولاً إلى مخاطر ملامسة النفايات الطبية والحفاضات المستخدمة التي قد تنقل أمراضاً معدية مثل التهاب الكبد الوبائي.


 في حين يؤدي تحلل النفايات العضوية إلى انبعاث غازات ضارة وقابلة للاشتعال. ويضاف إلى ذلك التعرض للمواد الكيميائية والمنظفات التي قد تسبب حروقاً ومشكلات جلدية مزمنة، فضلاً عن الأبخرة السامة الناتجة عن حرق النفايات بشكل عشوائي والتي تؤثر سلباً في الجهاز التنفسي.


ولا تقتصر المخاطر على الجانب الصحي، إذ يواجه العاملون في جمع النفايات خطر التعرض لحوادث السير أثناء العمل في الشوارع العامة، ولا سيما خلال ساعات الصباح الباكر أو في أوقات متأخرة من الليل.



دور بيئي واقتصادي

يؤدي جامعو المواد القابلة للتدوير، سواء العاملون ضمن البلديات أو بشكل مستقل، دوراً محورياً في حماية البيئة من خلال خفض كميات النفايات التي تصل إلى المكبات، ومنع وصول المواد الضارة إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية. كما يمدون المصانع بمواد أولية منخفضة التكلفة وقابلة لإعادة التصنيع، ما يسهم في دعم الصناعات المحلية وخلق فرص عمل جديدة في مجال جمع المواد القابلة لاعادة التدوير .


وفي حديثه لموقع "السوري اليوم"، قال أمجد السعيد، القادم من محافظة الحسكة والمعيل لأسرته، إن العاملين في جمع وفرز النفايات يخففون جزءاً كبيراً من العبء الملقى على عاتق البلديات وعمال النظافة، موضحاً أنهم ينقلون كميات كبيرة من المواد القابلة للتدوير في عرباتهم متكبدين عناء نقلها إلى أماكن إعادة الاستفادة منها.


وأضاف السعيد أن هذا العمل يوفر له دخلاً مناسباً مقارنة بالمجهود المطلوب، خاصة أنه لا يحتاج إلى رأس مال أو خبرات محددة ، مشيراً إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة دفعت كثيراً من الشباب إلى العمل في هذا المجال.


وأوضح أن الحرب حرمته من إكمال تعليمه، قائلاً: "كان هروبي إلى دمشق الخيار الأفضل لي ولأسرتي بعد أن فقدت فرصة متابعة دراستي، وبحثت كثيراً عن فرص عمل أخرى لكن الأجور كانت منخفضة جداً. ما زلت أحلم بإكمال تعليمي وتحقيق الأهداف التي عطلتها سنوات الحرب".


بطالة متزايدة وفرص محدودة

وتشير تقديرات اقتصادية إلى ارتفاع معدلات البطالة في سوريا خلال السنوات الأخيرة، وسط تراجع فرص العمل واتساع دائرة الفقر. وتراوحت التقديرات الرسمية لمعدل البطالة خلال عام 2025 عند نحو 13.6 بالمئة، فيما تشير تقديرات أخرى إلى نسب أعلى بكثير، مع وصول بطالة الشباب إلى مستويات مقلقة.


ويرى مراقبون أن البطالة تمثل أحد أبرز العوامل التي تدفع الشباب، وخاصة من لم يتمكنوا من استكمال تعليمهم، إلى العمل في جمع وفرز النفايات كمصدر دخل يضمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة.


نظرة مجتمعية قاسية

إلى جانب المخاطر المهنية، يواجه العاملون في هذا القطاع نظرة مجتمعية سلبية ومضايقات متكررة أثناء تأدية عملهم.

وقال حسين، وهو أحد العاملين في جمع المواد القابلة للتدوير بريف دمشق، في حديثه لموقع "السوري اليوم"، إن العاملين في هذا المجال يتعرضون بشكل شبه يومي لمضايقات واتهامات بنثر محتويات الحاويات في الشوارع، رغم أن بعض النفايات تكون ملقاة خارج الحاويات من قبل أشخاص آخرين.


وأضاف أن بعض الدوريات والجهات المحلية تطلب منهم مغادرة بعض الأماكن العامة، ولا سيما الحدائق، نتيجة شكاوى من السكان الذين ينظرون إليهم بازدراء أو اشمئزاز بسبب طبيعة عملهم.


وتابع حسين: "لماذا لا ينظر الناس إلى عامل النظافة بالطريقة نفسها؟ نحن نؤدي عملاً يخدم البيئة والمجتمع، لكننا لا نحظى بالاحترام ذاته. كلانا يعمل في المجال نفسه، لكن الفرق أن عامل النظافة يعمل لصالح البلدية بينما نعمل نحن بشكل مستقل".


وأشار إلى أن الظروف الاقتصادية وقلة فرص العمل دفعت كثيرين إلى هذا المجال، مضيفاً أن عدداً من أقاربه الذين غادروا البلاد تمكنوا من إكمال تعليمهم والعمل في مجالات مختلفة، بينما اضطر هو إلى البحث عن أي فرصة عمل تؤمن له ولأسرته متطلبات المعيشة.


الحاجة إلى تنظيم القطاع

ويرى العاملون في هذا المجال أن البلديات تتحمل مسؤولية رئيسية في تنظيم قطاع جمع المواد القابلة للتدوير وتحويله من نشاط فردي إلى منظومة مستدامة وآمنة..ويستشهد البعض منهم بتجربة تركية في هذا المجال .

كما يدعو العاملون إلى تسجيل جامعي المواد القابلة للتدوير ضمن أطر قانونية واضحة أو جمعيات تعاونية توفر لهم الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي، ومنحهم بطاقات تعريفية وتصاريح رسمية تسهل عملهم وتحميهم من الملاحقات والمضايقات.


ومن بين المقترحات المطروحة إنشاء مراكز فرز وتجميع بالقرب من المدن، وتوفير عربات آمنة ومغطاة بدلاً من الوسائل البدائية المستخدمة حالياً، فضلاً عن وضع آليات تضمن حصول العاملين على أسعار عادلة للمواد التي يجمعونها، ومنع استغلالهم من قبل بعض التجار.


كما يؤكد مختصون أهمية إطلاق حملات توعية مجتمعية تسلط الضوء على الدور البيئي والاقتصادي الذي يؤديه هؤلاء العاملون، وتعيد تقديمهم بوصفهم شركاء في حماية البيئة وليسوا مجرد جامعي نفايات.


فوائد تتجاوز البيئة

وتسهم إعادة التدوير في الحفاظ على الموارد الطبيعية وتقليل الحاجة إلى استخراج مواد خام جديدة، كما تساعد في خفض استهلاك الطاقة وتقليل انبعاثات الغازات الدفيئة والحد من تلوث التربة والمياه.


ومن الناحية الاقتصادية، توفر هذه الصناعة فرص عمل في مجالات الجمع والفرز والنقل والتصنيع، ما يجعلها قطاعاً قادراً على المساهمة في دعم الاقتصاد المحلي وخلق مصادر دخل جديدة لآلاف الأسر.


وفي ظل التحديات البيئية والاقتصادية التي تواجهها سوريا، يمثل جامعو المواد القابلة للتدوير خط الدفاع الأول عن البيئة، إذ يحولون النفايات من عبء يهدد الصحة العامة إلى مورد اقتصادي قابل للاستثمار. ويؤكد العاملون في هذا المجال أن الاعتراف بدورهم وتأمين الحماية اللازمة لهم لم يعد مجرد مطلب مهني، بل ضرورة بيئية واجتماعية تسهم في بناء مدن أكثر نظافة واستدامة، وتحفظ كرامة العاملين الذين يقفون في الصف الأول لحماية البيئة والمجتمع.