خص الكتب والشاعر السوري سليم بركات بنصوص جديدة قبل النشر في ديوان جديد جاء فيها:
مذهلٌ تفويضُ النارِ بتحصيل الجباياتِ من كلِّ عصرٍ،
وبجمعِ الغلالِ مؤونةً لكلِّ عصرٍ،
وبحشدِ الأقدار ملتهبةً في كلِّ عصرٍ،
وبرصْفِ الطرقِ ممهَّدةً تُسْلكُ إلى الحماقةِ في كلِّ عصرٍ،
وبتعديلِ مواعيدِ الجنونِ في كلِّ عصرٍ.
مذهلةٌ هذه النارُ مفوَّضةٌ بتخزينِ المياهِ احتياطاً من الجفافِ الكونيِّ.(*)
(2)
مذهلةٌ هذه الشيخوخةُ قانعةً بالتعبِ ناضجاً كالتينِ،
ملتزمةً بربحها من الخسارةِ الزمنيةِ،
ليِّنةً بالهدايا اللَّينةِ من العظامِ،
وبالهدايا الغضاريفِ رقَّتْ حَتاًّ، أو انمحتْ،
وبالسأمِ لا يذوبُ في قهوةِ الصباحِ الفاترةِ تحريكاً بملعقة الوداعِ، أو بملعقة الريحِ بعد الوداع.
(3)
مذهلٌ أن يتوجَّع الموتُ؛
أن يُسمعَ توجُّعُه في الجمادِ،
وأن يُسمع أنينُه في الجمادِ،
وأن تُسمعَ حسراتُه منتثرةً مع الرمل في كل مجرىً من أنهار الرمل.
مذهلٌ أن يظلَّ معذَّباً بسماعِ التوبيخ مما لا يموتُ،
مَدِيْناً بحظوته كموتٍ لكلِّ ما يموت.
(4)
مذهلاتٌ هؤلاء النساءُ دخلنَ بقباقيبهنَّ إلى الأشعارِ؛
تحجَّبنَ بالأشعارِ؛
ارتديْنَها واختبأْنَ ـ لا يكشفهنَّ إلاَّ صدى قباقيبهنَّ يردِّدهُ النثرُ.
(5)
مذهلٌ هذا الجوابُ تولَّتِ العصورُ تسليمَه إلى العصورِ ركضاً على الأقدامِ بين المعارك.
مذهلٌ ضياعُ ذاك الجواب.
(6)
مذهلةٌ هذه الجدرانُ طُليتْ بدِهانٍ من الرغباتِ في هدمها،
وزُيِّنتْ بالأممِ الرسومِ ملوَّنةً،
وعُلِّقتْ إليها جلودٌ ذكرى حروبٍ لم يدخلها أحدٌ،
ولم يخرج منها أحد.
(7)
مذهلٌ إصغاءُ هذا الجدارِ إلى الجدارِ قُبالته،
مكتفياً بإسقاطِ ما عُلِّقَ إليه من الصورِ مؤطَّرةً،
ومن الساعاتِ الجدارية،
ومن الخزائن صغيراتٍ عُرضتْ على رفوفها الهِباتُ فاخرةً من الجراحِ الخيريَّة.
(8)
مذهلٌ أن يختبئ المكانُ في الحفرةِ ذاتها،
التي ردَمَها الإنسانُ على جثته.
(9)
مذهلٌ أن نحيا على هذا القَدْرِ من أوزانِ الأجسادِ،
وأوزانِ الأرواحِ،
وأوزانِ الأعيادِ بأسماءٍ مختلَقَةٍ،
وأوزان الحنينِ إلى الهاويةِ الأُمِّ،
وأوزانِ الشعائرِ السأمِ،
وأوزان الإيمان بالحرائقِ كإرشاد إلى الأصولِ،
وأوزانِ الجنونِ المُعْتَمَدِ في قياسِ الرفاهية.
(10)
مذهلٌ هذا النِّزالُ تكسَّرت فيه الأكتافُ،
والمعاصمُ،
والأقدامُ،
وتناثرت على نطاقه أممٌ متدحرجةً كنَرْدٍ بلا أرقام.
(11)
مذهلٌ هذا القتلُ بدمٍ باردٍ،
وبدمٍ ساخنٍ،
وبدمٍ فاترٍ لم تُحْتَسَبِ الحرارةُ فيه مَرْجِعاً لتوصيفهِ بما لا يليقُ بالقتلِ، ولا يليقُ بالدم.
(12)
مذهلٌ هذا الصوتُ متراكباً طبقاتٍ في الحناجرِ. لائقٌ به أن يُوصفَ نافذةً، أو باباً، أو شارعاً، أو مَتَاجِرَ لا تُغلق أبوابَها.
هو صوتٌ مَتَاجرُ؛
مقامرةٌ بالأعصابِ نقوداً.
هو صوتٌ أثاثٌ فاخرٌ؛
دائريٌّ؛
سحابةٌ ممطرة على الألسنةِ،
ورضاعةٌ من ثدي الرماديِّ،
ومن ثُديِّ النُّصُبِ التذكارية.
هو الصوتُ متراكباً أبخرةً سائلةً أو صُلبةً،
بجيوبٍ دسَّ فيها الوقتُ سكاكرَ فخرِهِ،
وسكاكرَ هذيانهِ،
وسكاكرَ حيرتِهِ في تصنيفِ الأصواتِ على مقاسِ الأليفِ المحظور.
هو الصوتُ السبائك الحديدُ،
المذهلُ في ارتداء قبعته المائية.
(13)
مذهلٌ هذا الشرابُ عرفتْه الكؤوسُ، والطاساتُ، والأقداحُ، يُرْتَشَفُ بأناةٍ من مَبْسِمِ الريح.
مُسْكِرٌ،
مخدِّرٌ،
مثيرٌ إنْ بلغَ الجذورَ الدفينةَ تحت مطامرِ المُعْتَقَداتِ فأهاجَها.
شرابٌ لا يعافُهُ معاقَرَةً كلُّ أصلٍ لغْوٍ، مُنكِرٍ أنه مبدَءُ الفجيعة.
مذهلٌ هذا الشرابُ لا يُحْذَرُ من الاعترافِ بجرائمِ الحقائقِ، كجرائمِ الأباطيلِ، بعد ارتشافه.
(14)
مذهلٌ هذا الثلجُ،
ذو الأصبع الجليدِ على زنادِ البنادق:
طلقاتٌ ستشعلُ النارَ في الأجسادِ،
وتُهشِّمُ البياضَ متناثراً شظايا على أذيالِ السناجب.
(15)
مذهلٌ هذا التراجعُ من إرغامِ المعاني على اعتناقِ دِيْنِ النهرِ،
أو اعتناقِ دِيْنِ الغابة.
(16)
مذهلٌ هذا المُعْتَقَلُ لم ينجُ منهُ غبارٌ،
أو تاريخٌ،
أو شعبٌ،
أو إلهٌ،
أو أزلٌ وأبدٌ بقيودٍ في أقدامهما.
(17)
مذهلون هؤلاءِ الأوثانُ من خشبٍ نُجِرَتْ،
أو نُحِتَتْ من صخرٍ،
أو اُنشِئتْ من رملٍ،
أو صُمِّمتْ على مقاسِ الرياحِ من جلود الإنسانِ،
ومن لحمِ الإنسانِ،
ومن لهاثٍ كلهاثِ الإنسانِ في الجِماع.
(18)
مذهلٌ هذا الجيشُ: صقورٌ تتبع البيارقَ في الأعالي،
بعيونٍ على المُؤنِ زوِّدتِ بالأطعمةِ حبوباً حُصِدت من حقولِ الأرضِ كلِّها،
ولحوماً مِمَّا استحصلَ الصيادون من طرائدِ الأرضِ كلها،
وفاكهةً مما أنبتَها شجرُ الأرضِ كلِّها.
مذهلٌ هذا الجيش،
غيرُ آبهٍ أنه اجتاحَ الأرضَ مهجورةً لم يبقَ فيها إلاَّ طنينُ الذباب.
(19)
مذهلٌ هذا السريرُ بقوائمَ أو مِن دونها،
تناوبتِ العوالمُ نوماً عليه،
واستراحتِ الأقدارُ متمدِّدةً بلا نومٍ،
وذَبحتِ الوسائدُ الوسائدَ بسكاكين الأبجديةِ تحت غطائه.
(20)
مذهلٌ أن نكونَ هنا مزاعمَ من أساطيرِ البحرِ بَشَراً بولاداتٍ بحريَّة:
جسومٌ لآلئُ،
وجسومٌ مَرْجانٌ،
وجسومٌ من زفيرِ الوجودِ المختنقِ بالإسفنجِ، ومن زفيرِ الحيتان.
(21)
مذهلٌ هذا السهمُ مسدَّداً بنصلِهِ الملحِ من وتر الوجودِ إلى الإلهِ في قيلولتهِ الأرضية.
(22)
مذهلةٌ هذه الكعكةُ القاسيةُ تتقاذفُ بها المعاني الغاضبةُ خَبْطاً،
حين لا تجد على مائدة الكلماتِ أقداحاً،
أو قواريرَ،
أو أطباقاً،
أو ملاعقَ ذهبية.
مذهلةٌ تتكسَّر في قضْمها أسنانُ الشِّعرِ،
وأسنانُ النثر.
(23)
مذهلٌ هذا التَّنُّورُ لم يحترقْ فيه رغيفٌ قطُّ،
بلِ احترقتِ الأيدي كلُّها، متوسِّلةً أن تنتزعَ رغيفاً من جوفه.
(24)
مذهلٌ هذا السرُّ أعزلَ لم يحمل سلاحاً في اختراقه الجبهاتِ المشتعلةَ قصفاً بالأُممِ القذائفِ،
وبالدُّولِ الطلقاتِ،
وبالأفرادِ الأنوارِ تضيءُ في الليل ساحاتِ المعاركِ،
فوقَ الخنادقِ المتقابلةِ جنوناً يطالبُ بإرثهِ من الجنون.
مذهلٌ هذا السرُّ يُبكي حيناً،
ويُضحكُ حيناً،
مُذ يضمنُ الوجودُ حِفْظَهُ آمناً بجلالِ السرِّ فيه.
(25)
مذهلٌ هذا الأفقُ لم يزل ثابتاً على قدميه أطبقَ عليهما الفخُّ الحديدُ ـ فخُّ الآلهةِ،
متوجِّعاً،
متكتِّماً على وجعه؛
ولم يزل مسترسلاً في وعْظِ حَوَاريِّيه الوعظَ الصادقَ أنهم ورثةُ التعاليمِ حين لا أفقَ أمامهم، أو وراءهم،
متكئاً على كتفِ الإنسانِ قبل سقوطهما معاً في الفخِّ الأَخيرِ ـ فخِّ الأفقِ الأشدِّ وجعاً.
(26)
مذهلةٌ هذه النهايةُ المبعثرةُ الثيابِ،
لم يتسَنَّ لها أن تهيِّئَ الحقائبَ للرحيلِ؛
لم تستجمع أحذيتَها بعدُ؛
لم تستجمعِ الخرائطَ الكفايةَ إرشاداً إلى ذُلٍّ آخرَ ـ ذُلِّ النهايات.
(27)
مذهلٌ هذا الاعتصامُ الحاشدُ ـ المَطَالِبُ بخفْضِ الضرائبِ عن الجنونِ، أو بإلغائها.
(28)
مذهلٌ هذا اللعبُ بالنارِ،
شَغَفاً بالرقصةِ المذهلةِ، الأخيرةِ، مع الراقصِ ـ الرمادِ.
(29)
مذهلٌ سقوطُ الإنسانِ من شجرةٍ لم يكن ثمرةً على غصنها.
(30)
مذهلٌ هذا الجسدُ ـ القاربُ الشراعيُّ في بحيرةِ الجسدِ الآخر.
(31)
مذهلٌ هذا الانتماءُ إلى المَصَاعدِ في هبوطها،
لا يوقِفُها قاعٌ أرضيٌّ،
أو مُسْتَقَرٌّ في عِمارةِ السماءِ السفلية.
(32)
مذهلةٌ هذه الملاحظاتُ استُنْسِختْ مراراً،
حتى خرجتِ السطورُ عن الصفحاتِ سائلةً بحبرها على المناضد.
(33)
مذهلٌ هذا الطائرُ الخجولُ أهملَهُ التعريفُ في معجمِ الطيرِ،
بجناحين يرتديهما وينزعُهما،
وبمنقارٍ يرتديهِ وينزعه،
وبريشٍ يرتديهِ وينزعه،
وبصوتٍ تلحقُ الطيورُ به، في الغناءِ، إلى مقابرِ الفتوحات.
(34)
مذهلةٌ هذه الحكايةُ لا يريدُها أحدٌ أن تُسْتكْمَل.
(*) شذرات خصّ بها الشاعر «القدس العربي»، من كتاب قيد الإنجاز تحت عنوان «ذهولٌ قبل النسف يليه هدوء البحيرة»، يحمل صفة نصوص
،