استثمار السيادة: كيف تستعيد الدولة السورية هيبتها في العقود الاقتصادية؟

ميساء الشيخ حسين
الأربعاء, 8 أبريل - 2026
سوريا الجديدة تسعى لجذب الاستثمارات لإعادة بناء ما دمرته الحرب (الأناضول)
سوريا الجديدة تسعى لجذب الاستثمارات لإعادة بناء ما دمرته الحرب (الأناضول)

 لم يكن إعلان وزارة السياحة السورية مؤخراً عن إنهاء عقد تطوير فندق "البوابات السبع" بدمشق مع شركة "لوبارك كونكورد" مجرد إجراء إداري عابر، بل كان بمثابة "إعلان مبادئ" لمرحلة اقتصادية جديدة. فالمشهد الذي اعتاد عليه السوريون لعقود من "مشاريع ورقية" وسياجات حديدية تحجز أملاك الدولة لسنوات دون إنجاز، بدأ يتلاشى أمام نهج يتسم بالصرامة الرقمية والملاحقة القانونية الحازمة.

إرث التهاون وضياع حقوق المواطن

في الحقب السابقة، عانى قطاع الاستثمار من تغلغل المحسوبيات والفساد، حيث كانت العقود تُمنح لمستثمرين يفتقرون للملاءة المالية أو الجدية، مما أدى إلى تجميد أصول الدولة الاستراتيجية. هذا التهاون لم يكن مجرد خلل إداري، بل كان استنزافاً مباشراً لحقوق المواطن السوري؛ فكل مشروع متعثر كان يعني ضياع آلاف فرص العمل وهدراً لمليارات الليرات التي كان يمكن أن ترفد الخزينة العامة.

اليوم، تضع الحكومة السورية "مسطرة قانونية" موحدة للجميع، حيث لم تعد العلاقات الودية تشفع للمستثمر إذا ما أخل ببنود العقد. إن إنهاء عقد "البوابات السبع" بالتراضي في ديسمبر الماضي، بعد ثبوت مخالفات في المهل الزمنية (المادة 13) والبرامج الهندسية (المادة 15)، يثبت أن الدولة باتت تراقب "دوران العجلة" لا مجرد "توقيع الورقة".

لغة الأرقام: الاستثمار تحت المجهر

تعكس الإحصائيات الرسمية لعام 2025 ومطلع 2026 جدية هذا التحول؛ فلم تعد الرقابة مجرد شعارات، بل تُرجمت إلى أداء حقيقي:

 جرد شامل للمحاسبة: وضعت الحكومة السورية 1,468 منشأة وموقعاً سياحياً تحت المجهر لإعادة التقييم، بهدف سحب المواقع من المستثمرين "الورقيين" ومنحها لمن يمتلك القدرة الفعلية على التنفيذ.

 نمو يحمي الأصول: حققت الفنادق الدولية المملوكة للدولة زيادة في أرباحها بنسبة 170% خلال العام الماضي، مما جعل كل دقيقة تعثر لمستثمر خاص بمثابة خسارة مباشرة لنمو محقق، وهو ما لا تسمح به الإدارة الحالية.

 حماية محفظة المليارات: مع وصول قيمة عقود الاستثمار الجديدة الموقعة في 2025 إلى نحو 1.5 مليار دولار، أصبح تفعيل "مشرط الجراح" القانوني ضرورة لضمان عدم تكرار كوارث المشاريع المتعثرة التي ورثتها البلاد من عقود الفساد السابقة.

 حماية الارباح الفعلية : حققت الفنادق الدولية المملوكة لوزارة السياحة زيادة في أرباحها بنسبة 170% خلال عام 2025. هذه الأرقام تبرر رغبة الدولة في استعادة المنشآت المتعثرة لإدارتها أو طرحها لمستثمرين أكفاء، لأنها أصبحت أصولاً "رابحة جداً".

كما سجلت سوريا زيادة بنسبة 80% في عدد السياح العرب والأجانب حتى نهاية نوفمبر 2025 مقارنة بالعام السابق. هذا الضغط السياحي يتطلب فنادق جاهزة (مثل البوابات السبع)، ولا يتحمل وجود مشاريع "هيكل" بلا تنفيذ.

 حماية معايير التشغيل الجديدة (السيادة الاقتصادية)

فرضت الوزارة في عقودها الجديدة (2025-2026) شرط توظيف 70% من الكوادر السورية كحد أدنى في المرحلة الأولى. أي تعثر للمستثمر في التنفيذ يعني ضياع فرص عمل لآلاف الشباب، وهو ما يدفع الحكومة لفسخ العقود بسرعة.

ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش :

 إن استعادة الدولة السورية لهيبتها في العقود الاقتصادية لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتاج تبني مبدأ الشفافية كأداة عمل لا كشعار".

وأضاف أن " الكشف التفصيلي لمخالفات مستثمر فندق "البوابات السبع"، والمراقبة الدقيقة للمهل الزمنية والبرامج الهندسية، يؤكد أن الشفافية ليست مجرد نافذة للاطلاع، بل هي "سيف قانوني" يقطع الطريق على أي محسوبية أو تلاعب.

ورأى أن الأهم في هذا الاداء ، أن هذه الشفافية تخلق بيئة عادلة لكل المستثمرين: فليس كل من يمتلك علاقات أو وعوداً ورقية يستحق عقداً، بل كل من يلتزم بجدية تنفيذية وملاءة مالية حقيقية"

وتهدف الاستراتيجية الحالية للوصول إلى دخل سياحي يقدر بـ 500 مليون دولار سنوياً بحلول عام 2030، وهو رقم يتطلب "صفر تهاون" مع المستثمرين الورقيين

"البوابات السبع" كنموذج للشفافية

إن توضيح الوزارة لتفاصيل المخالفات — من تأخر تقديم التأمينات لمدة شهرين إلى غياب الكشوف البنكية التي تثبت الملاءة — يمثل ذروة الشفافية. الدولة اليوم تطالب بـ "غرف نموذجية" Mock-up rooms وببيانات تعاقد مع مقاولين ذوي خبرة منذ الأيام الأولى للعقد، لتقطع الطريق على أي محاولة لـ "تسقيع" الأرض أو المتاجرة بالرخصة.

هذه الصرامة هي الضمانة الوحيدة لتحقيق هدف الدولة بالوصول إلى دخل سياحي سنوي قدره 500 مليون دولار بحلول عام 2030، مع ضمان توظيف ما لا يقل عن 70% من الكوادر المحلية في هذه المشاريع.

ويعلق الدكتور عربش بقوله:

الدولة اليوم تقول بوضوح: "لكل مستثمر جاد عقدُه وكامل امتيازاته دون محاباة، ولكن دون شفافية مطلقة في منح العقود ومتابعتها، لا يمكن تمييز الجاد من غيره، وتتكرر مآسي المشاريع المتعثرة التي هدرت حقوق الشعب". نموذج "البوابات السبع" خير دليل: حين تُفضى تفاصيل التأخير والكشوف البنكية والغرف النموذجية إلى العلن، يستحيل على أي مستثمر غير مؤدٍ أن يختبئ خلف وعود فضفاضة. وهكذا، تصبح الشفافية هي الضمانة الوحيدة لاستعادة هيبة الدولة، ولضمان أن كل عطاء أو مشروع حكومي لا يذهب إلا لمن يستحقه فعلاً، دون إبراز أي جهة على حساب أخرى. مع اهمية التصريح ودوما كيف تتعاقد الدولة وان لا يكون اي تميز وبالعلن ."

سوريا للجادين فقط

الرسالة السورية للعالم في 2026 واضحة: "الأبواب مفتوحة لكل مستثمر عربي أو أجنبي يحترم تعهداته، لكنها موصدة تماماً في وجه من اعتادوا على أساليب الماضي في المماطلة. إن استرداد حقوق الدولة هو استرداد لكرامة المواطن واقتصاده، والقانون رقم 84 لم يعد نصاً في الكتب، بل سيفاً مسلطاً لحماية موارد الشعب السوري من أي تهاون أو استغلال.