هندسة التعافي: صندوق النقد الدولي والمسار الاقتصادي الجديد في سوريا 2026

ميساء الشيخ حسين
الجمعة, 27 فبراير - 2026
مصدر الصورة (مواقع التواصل)
مصدر الصورة (مواقع التواصل)

تشهد الساحة الاقتصادية السورية تحولاً نوعياً مع مطلع عام 2026، حيث انتقل دور المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، من المراقبة عن بُعد إلى المشاركة الفاعلة في صياغة ملامح "اقتصاد ما بعد الصراع". ومع ظهور مؤشرات التعافي المتسارع وتحسن ثقة المستهلك، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة الدور الذي يلعبه الصندوق: هل هو مجرد مستشار تقني، أم هو المهندس الحقيقي للنظام المالي السوري الجديد؟


أولاً: مرتكزات "برنامج المساعدات الفنية"

لم يعد تدخل الصندوق مقتصراً على التوصيات التقليدية، بل بات يركز على "إعادة مأسسة الاقتصاد" عبر مسارات تقنية دقيقة:

عقلنة المالية العامة: يعمل الصندوق على تحويل الموازنة العامة من أداة لتصريف النفقات الطارئة إلى وثيقة استراتيجية تعتمد على "استدامة الدين" و"تعبئة الإيرادات الذاتية". هذا يعني تفعيل أدوات ضريبية متطورة تهدف إلى تقليص العجز المالي دون اللجوء إلى الإصدار النقدي التضخمي.

استقلال السياسة النقدية: يمثل دعم الصندوق لاستقلالية المصرف المركزي حجر الزاوية في كبح التضخم. إن الانتقال إلى سياسة نقدية متشددة، بالتوازي مع طرح العملة الجديدة، يهدف إلى استعادة "وظائف النقود" كمخزن للقيمة ووسيلة للتبادل، بعد سنوات من التقلبات الحادة.

إعادة هيكلة القطاع المصرفي: يسعى الصندوق إلى تمكين البنوك من استعادة دورها في "الوساطة المالية"، أي تحويل المدخرات المعطلة إلى استثمارات إنتاجية، وهو أمر حيوي لتمويل مشاريع إعادة الإعمار.


ثانياً: مخاوف "الوصفة الجاهزة" وسيادة القرار

رغم الإيجابيات الرقمية، تبرز مخاوف اقتصادية وسيادية مشروعة نتيجة هذا التدخل:

المقايضة بين النمو والاستقرار: يميل صندوق النقد تاريخياً إلى إعطاء الأولوية للاستقرار النقدي (سعر الصرف، التضخم) على حساب النمو الاقتصادي التوسعي. الخوف هنا هو أن تؤدي السياسات المتشددة إلى "خنق" الطلب المحلي في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى التحفيز.

أزمة الديون المتراكمة: ربط الصندوق للتمويل الخارجي بمعالجة الديون القديمة قد يضع الاقتصاد السوري تحت ضغط "الارتهان للمقرضين"، حيث قد تذهب حصة كبيرة من الإيرادات المستقبلية لسداد فوائد الديون بدلاً من الاستثمار في التنمية البشرية.

الشفافية المشروطة: إن تحويل الاقتصاد السوري إلى نظام "مكشوف إحصائياً" للصندوق هو سيف ذو حدين؛ فهو يجذب الاستثمار لكنه يجعل مفاصل القرار الاقتصادي تحت رقابة دولية دائمة.


ثالثاً: الأثر الاجتماعي.. الرفاهية تحت الاختبار

إن التأثير الأكثر عمقاً لتدخل الصندوق يظهر في "الطبقات الدنيا والمتوسطة" من المجتمع السوري:

من الدعم الشامل إلى الدعم المستهدف: تضغط رؤية الصندوق دائماً باتجاه رفع الدعم عن السلع الأساسية واستبداله بـ "شبكات أمان اجتماعي" موجهة. هذا التحول، وإن كان يخفف العبء عن الموازنة، إلا أنه غالباً ما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للطبقة الوسطى التي لا تقع ضمن تصنيفات "الأكثر فقراً" لكنها لا تملك ملاءة مالية لمواجهة أسعار السوق الحرة.

جودة الحياة مقابل تكلفة المعيشة: بينما تساهم إصلاحات الصندوق في تحسين الخدمات العامة (صحة، تعليم، كهرباء) من خلال كفاءة الإنفاق، إلا أن المواطن قد يجد نفسه مضطراً لدفع "تكلفة اقتصادية" لهذه الخدمات، مما يضع مفهوم الرفاهية في صراع مع واقع "القدرة على التحمل".

 

توازن الضرورة

في النهاية ، لا بد من القول إن دور صندوق النقد الدولي في سوريا لعام 2026 يمثل "شراً لا بد منه" من وجهة نظر تقنية؛ فهو الجسر الوحيد للاندماج في الاقتصاد العالمي واستعادة الثقة بالنظام المالي. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار يعتمد على قدرة السلطات المحلية على "توطين" نصائح الصندوق بما يتناسب مع الخصوصية الاجتماعية السورية، وضمان أن يكون التعافي الاقتصادي شاملاً (Inclusive Growth ) لايقتصر فقط على تحسين الأرقام في ميزانيات المصرف المركزي، بل يمتد ليلامس جودة حياة المواطن في الشارع.


الوسوم :