بهجة رمضان تعود إلى سوريا

الخميس, 19 فبراير - 2026
اجواء رمضانية في دمشق
اجواء رمضانية في دمشق

عن القدس العربي
تستعيد دمشق القديمة شيئا من إيقاعها المعتاد، مع حلول شهر رمضان الكريم، فتتزين الأسواق الشعبية بألوان البضائع وتملأ روائح القهوة والبهارات الأزقة الضيقة، وبينما تتراص أصناف الحلويات على الواجهات، يمضي الناس إلى أسواق الحميدية والحريقة والعتيق والقيمرية، قاصدين المحال بإصرار كما لو أنهم يتمسكون بخيط رفيع يصل حاضرهم بذاكرة المدينة. غير أن هذا المشهد المفعم بالحنين لا يخفي واقعا معيشيا ضاغطا، إذ يقف الأهالي والتجار معا أمام موسم رمضاني بطقوسه العريقة وتكاليفه المتصاعدة، في محاولة للموازنة بين فرحة الشهر الكريم ومتطلبات الحياة اليومية.
معادلة شاقة
فهذا المشهد النابض، حسب ما تقول مريم الخن وهي شابة أربعينية، وصاحبة متجر عريق في سوق الحميدية في دمشق القديمة لـ «القدس العربي» يصطدم بواقع اقتصادي صعب، فمع حلول رمضان، تجد العائلات نفسها أمام معادلة شاقة، كيف تؤمّن احتياجاتها في ظل موجة جديدة من ارتفاع أسعار المواد الأساسية التي طالت الخضار والفواكه والمواد الغذائية؟.
وتضيف: كثيرون باتوا يعيدون ترتيب أولوياتهم، ويختصرون قائمة مشترياتهم الرمضانية إلى الحد الأدنى، فيما يحاول الباعة بدورهم التأقلم مع تكاليف مرتفعة وفروقات واضحة بين الأسعار من متجر إلى آخر.
وتشير إلى أنه رغم وفرة البضائع وتنوّعها هذا العام، وتراجع بعض القيود التي كانت تثقل كاهل التجار، تبقى القدرة الشرائية محدودة لدى شريحة واسعة من السوريين، الذين يعيش معظمهم تحت خط الفقر.
«تبييض» الموائد
في ضاحية جديدة عرطوز في ريف دمشق، يستقبل الأهالي شهر رمضان بروح تجمع بين الحفاظ على التقاليد والحرص على إحياء أجواء الفرح والزينة في البيوت والشوارع.
وتروي رزان غانم، وهي مدرّسة في ثانوية المدينة، تجربتها مع التحضيرات الرمضانية هذا العام، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار ترك أثره الواضح على العادات الغذائية، لا سيما في اليوم الأول من الشهر الفضيل.
وتوضح غانم أن العائلة اعتادت في أول يوم من رمضان أن «تبيّضها»، وهو تعبير شعبي يعني أن يكون الإفطار مميزا ومباركا، وغالبا ما يرتبط بطبخ أطباق يدخل فيها اللبن رمزا للخير والبركة.
وتضيف: اعتدنا أن نطهو الششبرك، والشاكرية، وشيخ المحشي، والباشا وعساكره، باعتبارها أطباقا أساسية تليق ببداية الشهر وتعكس فرحته.
غير أن أطباق رمضان التقليدية شهدت تغييرات هذا العام بسبب ارتفاع أسعار المواد الأساسية، خصوصا الكوسا التي ارتفع سعرها خلال أسبوع واحد من نحو 12 ـ 15 ألف ليرة إلى 30 ألف ليرة للكيلو الواحد، أي ما يساوي دولارين وثمانية وخمسين سنتا، ما دفع الكثير من الأسر إلى تعديل الطبخات المعتادة في اليوم الأول من رمضان.
وتضيف أن حركة الأسواق تقتصر حاليا على المواد الغذائية الأساسية، سواء الخضار أو المؤونة الشهرية، بينما يشهد سوق اللحوم ارتفاعا كبيرا في أسعار اللحوم الحمراء نتيجة عدم توفر المراعي هذا العام، الأمر الذي ينعكس سلبا على حياة المواطنين.
وتشير أيضا إلى أن أسعار الفروج ارتفعت رغم شائعات تفشي مرض طاعون الدجاج، حيث ارتفع سعر شرحات الدجاج من 43 ألف ليرة قبل نحو عشرين يوما إلى حوالي 55 ألف ليرة اليوم، نتيجة توقف الاستيراد ومحاولة بعض التجار استغلال توقيت رمضان.
بهجة رغم المصاعب
رغم هذه التحديات المعيشية، تؤكد جارتها المتفائلة بالقادم، فضيلة أبو زر، أنها وأفراد أسرتها أجروا بعض التحضيرات الرمضانية مع تقليل الكميات قليلا، موضحة أن عادات الأسرة الرمضانية لم تتغير، وأن الفرح بالشهر الفضيل لا يزال حاضرا. وقالت: «نحن شعب سوري عظيم، نصنع من اللاشيء شيئا، وفرحتنا بالتحرير غيرت الكثير، على الأقل توفر الخبز والمازوت للتدفئة والبنزين والكثير من المواد الغذائية».
وأوضحت أن أهم ما تحرص عليه الأسرة هو لمة رمضان، وصلاة التراويح، والمعروك، رغم غصة غياب بعض أفراد العائلة بسبب السفر أو الفقد بعد الاعتقال، معبرة عن الأمل في أيام أفضل مقبلة. كما أكدت أن زينة رمضان، من فوانيس وأضواء كهربائية على واجهات المنازل، تبقى عنصرا أساسيا يعكس بهجة الشهر ويضفي أجواء من الفرح والدفء في البيوت.
فرحة منقوصة في القنيطرة
وفي محافظة القنيطرة القريبة، تبدو الصورة أكثر تعقيدا، كما تروي سلام هاروني، الشابة الجامعية في العشرينيات من عمرها، إذ يأتي رمضان هذا العام على وقع ظروف معيشية وأمنية صعبة. فالتوغلات الإسرائيلية والاعتقالات الأخيرة، حسب وصفها، أدخلت حالة من القلق والخوف بين الأهالي، في وقت تتضاعف الأعباء اليومية.
أسواق دمشق تنبض… فرحة منقوصة في القنيطرة… تراجع العزائم في دير الزور
وتوضح لـ «القدس العربي» أن غلاء الأسعار فرض واقعا مختلفا على تحضيرات الشهر الكريم، حيث اقتصر الشراء على المواد الأساسية فقط، مع غياب شبه كامل للحوم والفواكه والأجبان عن موائد كثير من العائلات، لعدم القدرة على تحمل تكاليفها. وتشير إلى أن العبء الأكبر يتمثل في قلة الدخل أو فقدانه بالكامل، خصوصا أن شريحة واسعة من سكان المنطقة تعتمد على الزراعة كمصدر رزق أساسي، وهو ما تضرر خلال الفترة الماضية.
ورغم هذه التحديات، تؤكد أن الحالة المعنوية للأهالي شهدت تحسنا نسبيا هذا العام، إذ يحاول الناس التمسك بروح رمضان وإظهار الفرح قدر الإمكان، وكأنهم يسعون لتعويض سنوات طويلة من الضغوط.
لحظة دفء
وتلفت إلى أن العادات الاجتماعية تغيّرت بدورها، إذ تراجعت العزائم بشكل ملحوظ، وأصبح شراء الاحتياجات يتم يوما بيوم، مع التركيز على الضروريات والاستغناء عن الوجبات الكبيرة ذات الكلفة المرتفعة. ومع ذلك، برزت هذا العام مظاهر لافتة لزينة رمضان في القنيطرة، في مشهد لم تشهده المنطقة منذ سنوات.
وتقول هاروني: انتشرت الفوانيس والأضواء الشعبية على واجهات المنازل، وشارك الأطفال وأفراد العائلة في تعليقها، في محاولة لصناعة لحظة دفء وأمل داخل البيوت، والحفاظ على طقوس الشهر الكريم رغم كل الصعوبات.
نور بري، شابة تبلغ من العمر 30 عاما، تؤكد أن الفرح بقدوم الشهر الفضيل لا يزال حاضرا في إدلب، إذ تحرص العائلة على الاجتماع على مائدة الإفطار، وسط أجواء لطيفة صنعتها الزينة الرمضانية، تعيد الشعور بقدوم الشهر المبارك.
ويشارك الأطفال وأفراد العائلة وفق الشابة، في تعليق الزينة «حتى لو كانت الزينة بسيطة، كما تحافظ بعض المنازل على الطابع التراثي للزينة، مثل الفوانيس والأضواء التقليدية، مؤكدة أن التمسك بهذه العادات جزء أساسي من روح الشهر المبارك».
كما تشهد أسواق مدينة إدلب ازدحاما بالمتسوقين، والمواد الغذائية المتوفرة، رغم ارتفاع الأسعار، مشيرة إلى أن هذا الغلاء صعّب التحضيرات الرمضانية، وجعل التركيز منصبا على الأساسيات فقط للسحور والإفطار.
وتقول نور: عادة يبدأ أول يوم من رمضان بطبخة تحتوي على لحم أو دجاج والمحاشي أو الكبسة، مع الفتوش أو السلطة والبطاطا والمقبلات، لكن هذا العام ستكون الوجبات أقل، خصوصا مع استمرار انقطاع الغاز، ما قد يؤدي إلى الاستغناء عن بعض الأطباق تماما.
أما العزائم، فتوضح نور أنها أصبحت قليلة أو شبه معدومة، لأن الكثير من العائلات لم تعد قادرة على استضافة الضيوف كما في السابق، وتشير إلى أن أكبر الأعباء هذا العام تكمن في المواد الغذائية، وغلاء الغاز والكهرباء، ما يجعل الفاتورة الشهرية أعلى ويزيد من صعوبة التحضير.
جمعات عائلية في دير الزور
ورغم ضيق الحال يحرص أهالي دير الزور على استقبال الشهر الفضيل، إذ ترسم حركة الأسواق المزدحمة فرحة وبهجة.
وتحكي رؤى العيسى، 29 عاما، وهي معلمة من سكان مدينة دير الزور، كيف يحرص الأهالي على عاداتهم «رغم الحركة التجارية الخجولة، وبعد أن كان الأهالي يشترون البضائع بالجملة لشهر كامل، أصبح الشراء اليوم مقتصرا على كميات محدودة تلبي الاحتياجات الأساسية فقط. ومع ذلك، تبقى بعض المظاهر الرمضانية المبهجة حاضرة، مثل بائعي السوس والتمر الهندي بالزي التقليدي القديم، وبائعي المعروك والقطايف، ما يضيف أجواء رمضانية مميزة في الأسواق». وتوضح العيسى أن رمضان هذا العام يختلف عن الأعوام السابقة، حيث اختفى البذخ تقريبا وتحول الشهر من موائد عامرة إلى شهر التدبير والمقسوم. كما تراجعت العزائم الكبيرة وحلت محلها جمعات عائلية بسيطة، نتيجة فقدان الكثير من أفراد الأسر بسبب الهجرة أو الاستشهاد أو الفقد. أما أكبر التحديات هذا العام، فتشير العيسى إلى ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء والزيوت واللحوم والمواد الأساسية، ما يجعل تحضيرات الشهر أكثر صعوبة وتضيف عبئًا إضافيًا على الأسر.
الطبق الأبيض وتزيين المنازل
وفي ما يخص العادات الرمضانية، تقول إن الطبق الأول في اليوم الأول عادة يحتوي على اللون الأبيض، مثل الكبة اللبنية أو شيخ المحشي أو الشاكرية أو الشيش برك، اعتقادا بأن استقبال الشهر بالأبيض يجلب البركة.
وتصف الزينة الرمضانية بأنها ضرورة نفسية لزرع البهجة في نفوس الأطفال وتعظيم شعائر الله، مشيرة إلى أن الأطفال يشاركون في تزيين المنازل بالفوانيس والعبارات الجميلة، فيما يبدع أصحاب المحلات في تزيين واجهاتهم، لتذكير الجميع بأن الحياة مستمرة رغم الصعاب.
وتختتم العيسى بالإشارة إلى أن الروحانيات، مثل صلاة التراويح وصلة الرحم، ما زالت ثابتة رغم الأزمات، مؤكدة أن رمضان في دير الزور اليوم هو عبادة وصمود بأقل الإمكانيات وأكبر قدر من الصبر والاحتساب. وفي الحسكة، يبدو المشهد مختلفا، فقبل ساعات من دخول رمضان، تخيّم حالة من الركود على الأسواق التي اعتادت في مثل هذه الأيام أن تضجّ بالمتسوقين. ويقول مصطفى البكاري لـ «القدس العربي» إن المواجهات العسكرية الأخيرة وتبدّل موازين السيطرة في المحافظة ألقت بظلالها على الحركة التجارية، وأدخلت الأهالي في حالة ترقب وحذر، ما انعكس على نشاط البيع والشراء