جبل عبد العزيز… محمية دولية دمّرها إهمال النظام البائد واستنزاف "قسد"

بثينة الخليل
الثلاثاء, 20 يناير - 2026
جبل عبد العزيز
جبل عبد العزيز

يقع جبل عبد العزيز في الجهة الجنوبية الغربية من محافظة الحسكة، على بعد نحو 35 كيلومترًا من مركز المدينة، ويمتد كسلسلة جبلية بطول يقارب 90 كيلومترًا وبعرض يتراوح بين 8 و15 كيلومترًا. وقد صُنّف الجبل قبل 2011 محمية طبيعية دولية ضمن مشروع وطني لإدارة المحميات، إلى جانب محميتي الفرنلق وأبو قبيس، نظرًا لما يتمتع به من تنوع بيئي فريد في منطقة الجزيرة السورية.


تنوع حيوي غني يضم أكثر من 400 نوع نباتي

يضم جبل عبد العزيز أكثر من 400 نوع نباتي، بينها نباتات طبية وعطرية ورعوية، أبرزها الزعتر البري، الشيح، القيصوم، الختمية، النعناع البري والحرمل، إضافة إلى أشجار البطم الأطلسي والبطم الكنجوك، اللوز الشرقي، الزعرور، التين البري والسويد الفلسطيني.


كما يحتوي الجبل على أربعة ينابيع طبيعية هي: مغلوجة، الخزنة، الغرّة والعلاجة، وتتخلله مجموعة من الأودية المحلية المعروفة بـ"الثنايا"، أبرزها ثنية مغلوجة، الجفر، البديع والحجل. وتبلغ أعلى قممه، مرقب علي، 945 مترًا عن سطح البحر.

وكان الجبل موئلًا لحيوانات برية عديدة، مثل الغزلان، الذئاب، الضباع، الثعالب، الأرانب البرية والقط البري، إضافة إلى عشرات الأنواع من الطيور، بينها النسر، الرخمة، الباشق، الشوحة المصرية، الحجل، الهدهد والوروار.


مشروع حماية توقف عند الحرب

في إطار حماية الحياة البرية، أُنشئت عام 1992 مزرعة لتربية غزلان الريم في موقع مغلوجة، بدأت بـ14 رأسًا، وارتفع عددها تدريجيًا إلى أكثر من 500 رأس قبل اندلاع الثورة السورية.

غير أن هذا المشروع تعرّض للتفكك خلال سنوات الحرب، حيث شهدت المزرعة عمليات سرقة متتالية، قبل أن تُنهب بالكامل خلال سيطرة داعش وقسد على المنطقة عام 2014، إضافة إلى قتل أعداد كبيرة من الحيوانات البرية وتهريب جلودها ضمن تجارة الفرو.

الجفاف يفاقم التدهور البيئي


لم تكن الحرب العامل الوحيد في تدهور الجبل، إذ تعرّضت المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي إلى موجات جفاف متكررة، بلغت ذروتها في عامي 2007 و2008، وتجدّدت خلال الأعوام الأخيرة، مع انخفاض معدل الهطول المطري إلى نحو 250 ملم سنويًا.


يقول الحاج حسين العليان (70 عامًا)، وهو أحد أقدم المزارعين في ريف القحطانية الجنوبي، إن المنطقة "كانت حتى عقود قريبة مسرحًا لقطعان الغزلان والأرانب والذئاب”، مضيفًا أن "سنوات الخير انتهت مع توالي مواسم الجفاف وتراجع الزراعة والرعي".


تحطيب جائر وغياب إدارة

يشير المهندس الزراعي خضير الجلو، من ريف الحسكة، إلى أن الجفاف والحرب تسببا بتراجع واسع في الغطاء النباتي، إلا أن التحطيب الجائر والرعي غير المنظم أسهما بشكل مباشر في تسريع التصحر، في ظل غياب أي جهة تفرض القوانين البيئية أو تنفذ برامج تشجير فعالة.

ويؤكد الجلو أن الغابة الاصطناعية في منطقة مغلوجة، التي كانت مقصدًا للأهالي خلال فصل الربيع، تعرضت لتخريب واسع، دون تعويض الفاقد أو تنفيذ خطط إعادة تأهيل حقيقية.


ورغم إعلان جبل عبد العزيز محمية طبيعية دولية، فشل النظام السوري البائد في تأمين الحماية الفعلية لها، إذ توقفت مشاريع التحريج، وغابت الرقابة البيئية، واستمر استنزاف الغطاء النباتي.


وبعد سيطرة "قسد" على المنطقة، ومع وجود نقاط عسكرية للقوات الأمريكية في محيط قلعة سكرة، يتحدث أهالٍ عن استمرار الصيد الجائر والتحطيب واستخدام أجزاء من الجبل لأغراض عسكرية، دون الإعلان عن أي خطة واضحة لإدارة المحمية أو إعادة تأهيلها.


خسارة بيئية مفتوحة

يمثل ما يحدث في جبل عبد العزيز خسارة بيئية تتجاوز حدود الجغرافيا، في منطقة تُعد من أكثر مناطق سوريا هشاشة مناخيًا. فالجبل كان يشكّل حاجزًا طبيعيًا في مواجهة التصحر، وخزانًا للتنوع الحيوي، وموردًا بيئيًا وسياحيًا مهمًا للمنطقة.

ومع استمرار الجفاف، وغياب الإدارة البيئية، وتداخل المصالح العسكرية، يبقى جبل عبد العزيز مثالًا صارخًا على تراجع حماية المحميات الطبيعية في سوريا، وعلى الثمن الذي تدفعه الطبيعة وسكان المنطقة معًا.