مع استمرار العمليات العسكرية في جبهات حلب وتصاعد وتيرة معارك "السيادة"، يبرز في الداخل السوري انقسام حاد حول آليات عمل "لجنة الكسب غير المشروع". فبينما يرى البعض في "الوقفات الاحتجاجية" وسيلة للتعبير عن الرفض الأخلاقي لرموز الفساد، تتبلور رؤية سياسية مغايرة ترى في هذه الاحتجاجات "استنزافاً رمزياً" قد يخلط الحسابات في لحظة بناء الدولة الحرجة.
التسوية كأداة سيادية: استرداد المال العام
تستند الرؤية الداعية للامتناع عن الاحتجاج الميداني إلى منطق "براغماتي" يميز بصرامة بين الإدانة الأخلاقية التي يملكها المجتمع، وبين الأداة السيادية التي تستخدمها الدولة. ففي واقع قانوني معقد، حيث كان الفساد محمياً لسنوات بـ "قوانين فاسدة"، تبرز التسوية المالية كآلية أسرع وأقل كلفة لاستعادة أموال الخزينة وتحويلها من "اقتصاد الظل" إلى "الاقتصاد النظامي".
أبرز معطيات ملف المحاسبة المالي:
حجم الملاحقات: تشمل التحقيقات أكثر من 900 شخص في قضايا كسب غير مشروع.
الأرقام المستردة: استرداد مليارات الدولارات، تصدرها ملف محمد حمشو باستعادة نحو 800 مليون دولار.
ملفات ثقيلة: فتح تحقيقات موسعة تشمل أسماء اقتصادية وازنة مثل سامر الفوز ووسيم قطان.
برنامج الإفصاح: إطلاق مبادرة للإفصاح الطوعي عن الأصول والمنقولات داخل وخارج سوريا، مع التأكيد على أن التسوية المالية لا تعني البراءة الجنائية، وأن أي إخفاء للأصول يلغي الاتفاق ويؤدي للمصادرة الكاملة.
التوقيت العسكري والمخاوف من "تفكيك الأولويات"
يربط المراقبون بين الهدوء المطلوب في الجبهة الداخلية وبين المعارك الاستراتيجية التي تخوضها الدولة في حلب. ويرى أصحاب هذا التوجه أن بناء صدام داخلي مع مؤسسات الدولة في هذا التوقيت – وإن كان بنوايا حسنة – لا يخدم مسار تثبيت الاستقرار، بل قد يؤدي إلى تشتيت الجهود عن المعركة الكبرى للسيادة.
المحاصرة الاجتماعية بدل "الوقفات الرمزية"
بدلاً من الاكتفاء بفعل رمزي (كالوقوف أمام مقر اللجنة)، يدعو اصحاب هذه الرؤية إلى تبني "الجهد المستدام" عبر:
المراقبة الصارمة: المطالبة بالشفافية في أوجه صرف الأموال المستعادة.
العزل الاجتماعي: ممارسة ضغط شعبي عبر المقاطعة المهنية والاجتماعية لرموز الفساد، ورفض "التطبيع الرمزي" معهم، وهي أدوات تُعتبر أكثر صدقية وأعمق أثراً من الاحتجاج اللحظي.
بين حق المواطن في التعبير السلمي عن رفض هذه المصالحات – الذي يظل مبدأً ثابتاً – وبين ضرورة عدم خلط الأوراق في لحظة تاريخية فارقة، يبقى المعيار الحقيقي هو "النتيجة". فالدولة السورية اليوم أمام اختبار موازنة دقيق: استعادة ثرواتها المنهوبة لدعم اقتصادها المنهك، دون التضحية بالاستقرار الداخلي في مواجهة التهديدات الخارجية.
جدير بالذكر أن هذه الأحداث تتقاطع مع سياقات تاريخية (كما في تقارير 2011-2012) التي أظهرت دائماً تأثر الداخل السوري بالضغوط الخارجية والعقوبات الدولية، مما يجعل التحرك الحالي لاسترداد الأموال "داخلياً" خطوة في اتجاه الاعتماد على الموارد الوطنية بعيداً عن "خدعة العقوبات" أو الوصايات الخارجية.