شخصيات الفيسبوك !

لكل شخص فى الفيسبوك شخصيته المميزة والفريدة .. مع ذلك هناك بعض الأنماط التى تتكرر كثيرا بالفيسبوك .. مثل شخصية النرجسى .. الذى ينشر كل يوم - بل كل ساعة - صورة شخصية جديدة له .. غالبا صورة قد التقطها "سيلفى" أو فى المرآة .. إذا كانت سيدة - وهذا هو الغالب - فنجدها تحاول أن تبرز فى هذه الصور بعضا من أنوثتها وفتنتها .. وإذا كان رجلا يحاول أن يبرز وسامته أو أناقته أو قوته العضلية ..

وشخصية اللا منتمى .. الذى تجده وسط كل الكوارث التى تحدث فى البلد والعالم : وباء الكورونا .. أزمة سد النهضة .. انفجار فى بغداد .. زلزال فى الهند .. أعصار فى الكاريبى .. يضع صورا لمناظر طبيعية خلابة أو حيوانات أليفة صغيرة .. أو يكتب معلومة طويلة عن الريجيم بالفواكه ..

شعاره الأثير I don't care .. لا أكترث ..

وشخصية الاجتماعى .. الذى يكشف عن حياته الشخصية لكل الناس .. إذا ذهب مع أسرته إلى مطعم .. يخبرنا بدخوله المطعم .. وقد يخبرنا قبل ذلك عن حيرته فى اختيار المطعم المناسب .. ثم ينشر صورة له مع الأسرة بعد أن يتم وضع الطعام على المائدة .. وإذا قرر أن يسافر .. لا بد أن يخبر جماهيره - المنتظرة سماع أخباره بفارغ الصبر - أنه قد وصل بسلام إلى محطة القطارات .. ولا مانع من ذكر كل المضايقات التى قابلها فى رحلته أولا بأول ..

وشخصية المتلصص .. وهو عكس شخصية الاجتماعى تماما .. لا تجد له أى نشاط على الإطلاق .. رغم أنه يكاد لا يغادر الفيسبوك .. لا يكتب شيئا على صفحته .. ولا ينشر صورا .. ولا يعلق على أى شىء .. وفى بعض الأحيان لا يعمل حتى Like للمنشورات التى أعجبته .. الفيسبوك بالنسبة له وسيلة يتلصص بها على الآخرين بطريقة مشروعة .. يعرف أخبارهم ويشاهد صورهم ويفحص علاقاتهم لكى يروى ظمأ فضوله فحسب ..

ومن شخصيات الفيسبوك أيضا شخصية بروكرست .. وهو شخصية عجيبة وأكثر تعقيدا وتحتاج إلى مزيد من الشرح .. ففى الميثولوجيا اليونانية كان هناك قاطع طريق يسمى بروكرست .. كانت له طريقه غريبة فى التعامل مع ضحاياه .. فقد كان يستدرج ضحيته ويستضيفه فى بيته ويكرمه .. وبعد العشاء يدعوه إلى قضاء الليل على سريره الحديدى الشخصى .. وهو سرير يتميز بميزة عجيبه .. هى أن طوله يلائم دائما مقاس النائم أيا كان .. غير أن بروكرست لم يكن يتطوع بتفسير كيف يمكن لسريره أن يكون على مقاس الجميع على اختلاف أطوالهم .. حتى إذا ما نام الضحية على السرير بدأ بروكرست عمله .. فيربطه بإحكام ويشد رجليه إن كان قصيرا ليمطهما إلى حافة السرير .. أو يبترهما بترا أن كان طويلا ليفصل منها ما تجاوز الحافة .. حتى ينطبق تماما مع طول السرير .. وظلت هذه عادته إلى أن لقى جزاءه العادل على يد البطل الإغريقى ثيسيوس الذى أخضعه لنفس الفعلة .. فأضجعه على السرير ذاته وقطع رقبته لينسجم مع طول سريره .. وأصبح مصطلح "سرير بروكرست" يشير إلى إية نزعة إلى فرض القوالب على الاشخاص أو النصوص لكى تنسجم قسرا مع فكرة مسبقة ..

أما فى الفيسبوك .. فإن صاحب شخصية بروكرست هو الشخص الذى يكتشف اختلافا فكريا بينك وبينه .. وعلى طريقة بروكرست يحاول أن يقص أفكارك لتصبح فى نفس طول أفكاره .. تجده فى حالة انتظار دائم لأى منشور تكتبه أو اقتباس تنشره .. وبمجرد أن يلمح فكرة ليست على مقاسه .. سواء كانت سياسية أو ثقافية أو دينية .. يسن منشاره على الفور .. ويجهز أدواته كافة لكى يعيدك إلى جادة الصواب من وجهة نظره .. وللتعامل مع هذه الشخصية فى الفيسبوك هناك ثلاثة طرق : أولا .. إذا كنت لا تحب إضاعة الوقت والخوض فى النقاشات غير المثمرة .. لأن صاحب شخصية بروكرست لن يغير رأيه أبدا مهما حاولت إقناعه ومهما قدمت له من حجج وأسانيد تدعم بها وجهة نظرك .. ولأنه - فى الغالب - لا يقول رأيا صائبا يمكن أن تقتنع به .. ولا يحمل فكرا سديدا يستطيع به أن يغير من وجهة نظرك .. فالأفضل فى هذه الحالة هو تجنب الرد عليه مطلقا .. لكن تذكر أن صاحب شخصية بروكرست لا شىء يثير غضبه أكثر من التجاهل .. ولا شىء يستفزه سوى عدم الرد .. لذلك التزم بقرارك مهما ألح فى أسئلته ومهما حاول استفزازك للرد عليه ..

ثانيا .. إذا كنت تريد أن تلهو قليلا .. فلا مانع من أن ترد على صاحب شخصية بروكرست فى جمل قصيرة غامضة .. تخالف توقعاته وقناعاته المسبقة عن أفكارك .. فهو غالبا سيطرح عليك أسئلة يعلم إجابتها .. ويعلم إنك لا تستطيع أن تجيب عنها صراحة .. وغرضه من ذلك أن يحاصرك أمام الجميع فلا تستطيع الرد عليه .. فيشعر أنه قد نجح فى مهمته .. وهى ذبح أفكارك التى تغرد خارج السرب .. فأنت تحاول - كما يقول نزار قبانى - أن تخرج على غريزة القطيع وأفكار القطيع وقناعات القطيع وتنفرد عن بقية حبات الفاصولياء المتشابهة حجما وشكلا .. لكن عندما تلعب مع صاحب شخصية بروكرست لعبة القط والفأر .. وترد عليه بإجابات غامضة .. تخالف توقعاته وقناعاته .. فأنت هنا تربك حساباته .. وتفسد عليه خططه .. وتوقعه فى الحيرة والاضطراب .. وقد يتشكك فى تصوراته المسبقة عن أفكارك ..

ثالثا .. إذا كنت تريد أن تلعب دور ثيسيوس .. وقررت أن تقضى تماما على صاحب شخصية بروكرست .. فكن حساسا وقادرا على التقاط الأخطاء التى قد يقع فيها أثناء النقاش .. وبادر بالهجوم عليه .. وجه إليه نفس الاتهامات التى لا يتورع عن تلفيقها ولا يأب أن يلصقها بك .. وبنفس الدرجة من القوة .. وهنا سيشعر صاحب شخصية بروكرست بضعف موقفه وقلة حيلته .. وغالبا سيرفع الراية البيضاء وينسحب هربا من المواجهة ..


د.جلال الشايب

كاتب مصري وكاريكاتيريست 

دكتور في الفنون الجميلة