شكّل افتتاح محاكمة عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في 26 نيسان/أبريل، محطة مفصلية في مسار العدالة داخل سوريا ما بعد النظام، إذ ينظر إليها كأول إجراء جنائي محلي يستهدف شخصية بارزة سابقة في الجهاز الأمني لنظام الأسد المخلوع، وذات صلة مباشرة بالبنية الأمنية التي أدارت ملف الاحتجاجات منذ عام 2011.
وتأتي هذه المحاكمة ـ التي تكتسب رمزية خاصة لارتباطها بمحافظة درعا، مهد الانتفاضة السورية، ولتضمّنها اتهامات تتعلق بانتهاكات جسيمة بحق المدنيين، تشمل القتل والتعذيب والاحتجاز التعسفي ـ في سياق سياسي وقانوني معقّد، حيث تطرح تساؤلات حول قدرة المنظومة القضائية السورية الحالية على معالجة جرائم ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية، في ظل غياب تشريعات وطنية واضحة تجرّم هذا النوع من الانتهاكات وفق المعايير الدولية، ولا سيما نظام روما الأساسي. كما تبرز القضية فجوة بين الطموح نحو تحقيق العدالة الانتقالية وبين الأدوات القانونية والمؤسسية المتاحة فعليا، في وقت لم يقر فيه بعد قانون شامل للعدالة الانتقالية.
وبينما رأى بعض المراقبين لـ«القدس العربي» أن هذه المحاكمات تمثل بداية مسار ضروري للمساءلة واستجابة لضغط الضحايا والرأي العام، حذّر آخرون من محدودية الإطار القانوني الحالي ومن خطر أن تؤدي هذه الإجراءات إلى نتائج جزئية لا تعكس الطبيعة المنهجية للانتهاكات. كما تتقاطع هذه التطورات مع نقاش أوسع حول مستقبل العدالة في سوريا، بين خيار الاعتماد على القضاء المحلي القائم، أو إنشاء آليات خاصة أكثر توافقا مع معايير العدالة الدولية.
وبذلك تبدو محاكمة عاطف نجيب اختبار تأسيس لمسار طويل يتعلق بكيفية تعامل الدولة السورية مع إرث الانتهاكات، وبمدى قدرتها على بناء منظومة عدالة انتقالية تحقق التوازن بين متطلبات المحاسبة الجنائية، وحاجات السلم الأهلي، وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات القضائية.
دلالات إطلاق
مسار المحاكمات في سوريا
وعن إمكانيات القضاء السوري وحدود قدرته على التعامل مع ملفات الانتهاكات الجسيمة، عرض مدير مركز الحوار السوري الدكتور أحمد القربي مقاربة حقوقية وقانونية لـ «القدس العربي» مسلطا الضوء على دلالات هذه الخطوة وقياس أثرها الفعلي على مسار العدالة الانتقالية.
وفي هذا الإطار وصف القربي إطلاق محاكمة عاطف نجيب «خطوة تأسيسية في مسار المساءلة داخل سوريا ما بعد النظام».
وأشار الخبير الحقوقي إلى أن هذه المحاكمة تأتي ضمن سياق انتقالي معقّد يفرض مقاربات تدريجية في التعامل مع ملفات الانتهاكات الجسيمة. مؤكدا أن هذه المحاكمات لا يمكن فصلها عن الواقع التشريعي والمؤسسي القائم، ولا عن الضغوط الاجتماعية والسياسية المتزايدة المطالبة ببدء إجراءات قضائية ملموسة بحق المتورطين في الانتهاكات خلال سنوات الحرب.
وشدد القربي على أن المحاكمات الحالية تعد بداية لمسار مساءلة فعلي، لكنها تجري ضمن بيئة قانونية ما تزال تفتقر إلى البنية التشريعية الكاملة اللازمة للتعامل مع هذا النوع من القضايا. موضحا أن اللجوء إلى محكمة الجنايات الرابعة في دمشق جاء نتيجة غياب إطار قانوني خاص بالعدالة الانتقالية، وعدم توفر محاكم متخصصة في باقي المحافظات، رغم وجود أعداد كبيرة من المتهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة في مناطق مختلفة من البلاد.
ورأى أن الإشكال لا يقتصر على قصور التشريع الحالي فحسب، بل يتعلق بطبيعة الجرائم ذاتها، إذ إن الاعتماد على القانون الجنائي القائم وحده سيجعل المحاكمات محدودة الأثر، نظرا لكونها ستصنّف في إطار جرائم عادية مثل القتل، ما قد يفتح الباب أمام إشكالات قانونية مثل التقادم وعدم القدرة على توصيف الانتهاكات ضمن إطار الجرائم الدولية. ومع ذلك، يعتبر أن الخطوة المتخذة تراعي السياق السياسي والاجتماعي الراهن، وتستجيب في الوقت نفسه لمطالب الشارع الذي يشهد حالة من الترقب والضغط باتجاه إطلاق مسار محاسبة واضح، في ظل شعور متزايد بغياب الجدية في التعامل مع ملف الانتهاكات.
وبرأي المتحدث فإن جانبا آخر من الاعتبارات يتعلق بالواقع الإداري والأمني، إذ أن وزارة الداخلية تحتفظ بعدد من الموقوفين المتورطين بجرائم ارتكبت خلال فترة النظام السابق، حيث يخلق استمرار احتجازهم لفترات طويلة من دون إحالتهم إلى القضاء إشكالية قانونية وإدارية، ما يجعل إطلاق المحاكمات خطوة ضرورية لتخفيف الضغط عن المؤسسات المعنية، وتنظيم هذا الملف المعقد ضمن إطار قضائي.
واعتبر القربي أن خيار المضي في المحاكمات ضمن البنية التشريعية الحالية يمثل «أقل الخيارات سوءا»، في ظل وجود بدائل أخرى أكثر تعقيدا أو تأجيلا. فإما الانتظار لحين انعقاد مجلس الشعب وإقرار قانون العدالة الانتقالية، وهو مسار قد يستغرق وقتا طويلا، أو فتح جميع الملفات وفق القانون الحالي بما يحمله ذلك من مخاطر تتعلق بإمكانية إفلات عدد كبير من المتهمين من العقاب نتيجة الثغرات القانونية القائمة.
وبناء على ذلك، رأى الخبير القانوني أن الخيار المتخذ يتمثل في إطلاق مسار محاكمات محدود النطاق، يركز على عدد من كبار المسؤولين في النظام السابق، بهدف إرسال رسالة واضحة للرأي العام بأن هناك جدية في اتجاه المساءلة، وإن كان ذلك ضمن نطاق ضيق ومؤقت إلى حين صدور الإطار التشريعي الجديد الخاص بالعدالة الانتقالية.
وفي هذا السياق، لفت القربي إلى أن لهذه المحاكمات أثرا نفسيا ومعنويا مهما على الضحايا وذويهم، إذ تمنحهم شعورا أوليا بأن هناك مساءلة حقيقية لمن تورطوا وأوغلوا في الدم السوري، بما يساهم في تعزيز الثقة بمسار العدالة.
مؤكدا أن المساءلة تعد أحد الأعمدة الأساسية في منظومة العدالة الانتقالية، إلى جانب المصالحة وجبر الضرر والعفو وتخليد الذاكرة، وهي جميعها أدوات مترابطة تهدف إلى دعم السلم الأهلي، بحيث يؤدي أي خلل في أحد هذه الأركان إلى إضعاف المنظومة بأكملها.
السيناريوهات المتوقعة
أما بشأن السيناريوهات المستقبلية، في مسار المحاكمات فرجّح القربي أن يظل المسار في مرحلته الحالية محدودا ومحصورا بعدد صغير من كبار المسؤولين السابقين، يقدّر بنحو خمسين شخصا، مع استمرار هذا الوضع إلى حين صدور قانون جديد للعدالة الانتقالية. معتبرا أن هذا القانون المرتقب سيكون حاسما، إذ يفترض أن يتضمن نصوصا واضحة تعتمد المعايير الدولية، بما في ذلك الإشارة إلى ميثاق روما فيما يتعلق بتجريم ومعاقبة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ما يتيح لاحقا توسيع نطاق المحاكمات بشكل أوسع.
وبعد إقرار هذا القانون، يمكن فتح الباب أمام إمكانية إنشاء آليات قضائية أوسع، سواء عبر محاكم متخصصة في كل منطقة أو على مستوى المحافظات كافة، وقد يتم ذلك من خلال الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، غير أن هذا التوجه ما يزال محل نقاش ولم يحسم بعد.
واختتم القربي رؤيته بالإشارة إلى أن السيناريو الأرجح في المرحلة الحالية هو استمرار محاكمة كبار مجرمي النظام السابق على أضيق نطاق، حيث يبلغ عددهم نحو 50 مجرما، وذلك أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، ريثما يصدر قانون جديد للعدالة الانتقالية ينص بشكل صريح على اعتماد ميثاق روما فيما يتعلق بالتجريم والعقاب بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، وبعدها يمكن أن يفتح مسار المسائلة بشكل واسع في مختلف المحافظات، إذ «نحن الآن بانتظار تطورات تشريعية تتمثل في انعقاد مجلس الشعب وإقرار قانون العدالة الانتقالية، الذي سيحدد الإطار النهائي لمسار المساءلة في سوريا».
قيود هيكلية تحدد
سقف المحاسبة القضائية
وقد مثل نجيب، وهو ابن خالة بشار الأسد والرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، أمام المحكمة في جلسة علنية حضرها أهالي ضحايا من محافظة درعا، إلى جانب ممثلين عن منظمات حقوقية. كما شملت الإجراءات القضائية استدعاء بشار الأسد وماهر الأسد بوصفهما مدعى عليهما غيابيا في القضية ذاتها.
وعلى الرغم من الطابع العلني لهذه الجلسات وما تحمله من دلالات رمزية، فإن مسار المحاكمة يكشف في الوقت ذاته عن مجموعة من القيود الهيكلية العميقة التي ترسم حدود ما يمكن أن يحققه القانون المحلي السوري في مجال المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة.
قراءة في حدود المحاكمة الجارية
في دمشق
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني تحدث من جانبه عن المسار القضائي الناشئ داخل سياق انتقالي معقّد، والبنية القانونية التي تجري ضمنها هذه المحاكمة، معتبرا في الوقت نفسه أن محاكمة نجيب تمثل سابقة قضائية محلية ذات بعد رمزي مهم لضحايا الانتهاكات، وتعكس بداية مسار نحو المساءلة، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حدود بنيوية وتشريعية واضحة لا يمكن تجاوزها في ظل الإطار القانوني القائم.
ومن هذا المنطلق، رأى عبد الغني في حديث مع «القدس العربي» أن الإشكالية الأساسية تكمن في الجانب التشريعي، إذ إن قانون العقوبات السوري لا يتضمن تعريفا لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية بوصفها فئات قانونية مستقلة ومحددة الأركان. وبناء عليه، فإن السلوك المنسوب إلى نجيب، بما يشمل القتل المنهجي والتعذيب والاحتجاز التعسفي واضطهاد المدنيين، يستوفي من حيث العناصر المادية التعريف القانوني للجرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي.
غير أن هذه التهم، في السياق القضائي المحلي، ستصنّف في الغالب ضمن نطاق الجرائم الجنائية العامة، مثل القتل والتعذيب وإساءة استخدام السلطة، وذلك نتيجة غياب نصوص قانونية وطنية تدرج الجرائم الدولية وتحدد أركانها وعناصرها بشكل صريح.
وأكد عبد الغني أن هذا الواقع لا يعكس تقديرا قضائيا أو اجتهادا من المحكمة، بل هو نتيجة مباشرة لفراغ تشريعي قائم، يفضي عمليا إلى أن أي حكم قضائي يصدر لن يكون قادرا على التعبير عن الطبيعة المنهجية والواسعة النطاق لتلك الانتهاكات أو توصيفها بوصفها سياسة ممنهجة.
ومع ذلك، فإن هذا الفراغ التشريعي من وجهة نظر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يعني غياب الأساس القانوني للمساءلة، إذ تنص المادة 15 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه سوريا، على إمكانية محاكمة الأفعال التي كانت تُعد مجرّمة بموجب القانون الدولي العرفي وقت ارتكابها، حتى في حال عدم وجود نص وطني يقابلها. وبالنظر إلى أن الجرائم ضد الإنسانية قد ترسخت في القانون الدولي العرفي منذ ما قبل محاكمات نورنبرغ، فإن تطبيق هذا التصنيف على أفعال تعود إلى عام 2011 لا يعدّ تجريما بأثر رجعي.
غير أن المادة ذاتها، بحسب عبد الغني، تعالج مبدأ الشرعية من حيث الإطار العام من دون أن تقدم آلية تنفيذية واضحة، وهو ما يعني أن المحكمة السورية لا تمتلك ضمن منظومتها التشريعية الوطنية نصوصاً تُحدد بدقة عناصر الجرائم ضد الإنسانية أو أنماط المسؤولية الجنائية المرتبطة بها. وبالتالي، فإن الأساس القانوني للمساءلة قائم من حيث المبدأ، لكنه يظل غير مكتمل من حيث الأدوات التطبيقية اللازمة داخل القضاء المحلي.
وفي سياق متصل، يكتسب حضور أقارب الضحايا، الذين قدموا من محافظة درعا بصفتهم أصحاب ادعاء شخصي وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري، أهمية إجرائية لافتة. فالقانون السوري يتيح للمدعين الشخصيين تقديم دعاوى موازية إلى جانب الحق العام، كما أن تقديم الادعاء الشخصي يُلزم النيابة العامة بمتابعة القضية قانونياً. وهذا يمنح الضحايا دوراً إجرائياً مباشراً داخل مسار التقاضي، وهو ما يتقاطع مع أحد المبادئ المعتمدة في أنظمة العدالة الجنائية الدولية، والمتعلق بمشاركة الضحايا في الإجراءات القضائية.
إلى جانب ذلك، تبرز مسألة ضمانات المحاكمة العادلة بوصفها أحد الاختبارات الجوهرية لمصداقية هذه الإجراءات، لا سيما في سياق انتقالي لم تكتمل فيه بعد البنية المؤسسية الضرورية، سواء من حيث استقلال النيابة العامة، أو كفاءة منظومة الدفاع، أو مستوى الشفافية في الإجراءات القضائية، وهو ما يجعل تقييم عدالة هذه المحاكمات مرتبطا بمدى تطور هذه الضمانات وليس فقط بطبيعة الاتهامات.
وأضاف عبد الغني، أن مسألة عقوبة الإعدام تطرح أيضا إشكالا إضافيا في التوافق بين المنظومة القانونية المحلية والالتزامات الدولية لسوريا. فالقانون السوري ما يزال يجيز عقوبة الإعدام في نطاق واسع من الجرائم يتجاوز القتل العمد، وهو ما يتعارض مع تفسير المادة 6 (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تقصر تطبيق هذه العقوبة على «أشد الجرائم خطورة»، والتي فسرتها لجنة حقوق الإنسان على أنها تقتصر عمليا على حالات القتل العمد.
وتبرز إشكالية عملية أخرى تتمثل في أن التهديد بعقوبة الإعدام قد يقلل من حوافز المتهمين للتعاون في الكشف عن هياكل القيادة أو مواقع المقابر الجماعية أو مصير المختفين قسريا، في حين أن العقوبات السالبة للحرية الطويلة قد توفر مساحة أكبر للتعاون مع التحقيقات. كما يُنظر إلى تنفيذ الإعدام العلني، ضمن معايير القانون الدولي العرفي، باعتباره ممارسة تتعارض مع الحظر المفروض على المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
وانتهى المتحدث بالتأكيد على أن محاكمة عاطف نجيب تمثل سابقة قضائية لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حدود بنيوية وتشريعية واضحة، فغياب قانون شامل للعدالة الانتقالية، وعدم إنشاء محاكم متخصصة، وعدم إدماج الجرائم ضد الإنسانية ضمن التشريع الوطني، جميعها عوامل تجعل من هذه المحاكمات خطوة أولى غير مكتملة في مسار العدالة. ومن ثم، فإن تطوير البنية المؤسسية والتشريعية، بما في ذلك إدماج معايير القانون الجنائي الدولي وتعزيز استقلال القضاء وربط المسار المحلي بالآليات الدولية، يبقى شرطاً أساسياً لضمان انتقال هذه الخطوة من رمزية البداية إلى مسار عدالة متكامل.
العدالة بين الانقسام السياسي والتحديات القانونية
وفي موازاة النقاشات القانونية المرتبطة بحدود القضاء السوري وإمكاناته، يبرز جدل سياسي ومجتمعي واسع حول طبيعة المحاكمات الجارية، وآليات إدارتها، ومدى قدرتها على تحقيق العدالة بدون الإضرار بالاستقرار الهش في البلاد. وفي هذا السياق، تحدث الدكتور طلال عبدالله جاسم وهو سياسي سوري، له العديد من الأبحاث والدراسات، وأحد مؤلفي كتاب «سوريا بين الحرب ومخاض السلام» عن التعقيدات السياسية والقانونية المحيطة بمسار المحاسبة في سوريا ما بعد النظام.
ورأى جاسم في حديث مع «القدس العربي» أن هناك خلافا سياسيا واضحا حول المحاكمات الجارية، إلى جانب خلاف قانوني لا يقل أهمية، مشيرا إلى أن معظم القضايا السورية التي تطرح على الرأي العام تتحول سريعا إلى مساحة للتجاذب والمناكفات السياسية والقانونية.
ويضم المشهد أطرافا متعددة، فهناك معارضون للإدارة الجديدة، وآخرون يحملون لها مواقف عدائية، في مقابل أصوات أخرى تحاول تقديم النصح والدفع باتجاه معالجة الملف بطريقة متوازنة، تجنب الدولة السورية أي انتكاسة جديدة قد تضاعف معاناة السوريين بعد سنوات طويلة من الحرب والانهيار.
وبرأي جاسم أن التشريعات السورية الحالية تعاني من قصور واضح فيما يتعلق بالتعامل مع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، الأمر الذي يستوجب إصدار تشريعات جديدة قادرة على سد هذه الثغرات ومعالجة الملف من جميع جوانبه القانونية، بما يضمن عدم إفلات المتورطين من العقاب نتيجة استغلال الفراغات القانونية القائمة، وفي الوقت ذاته يعزز ثقة الضحايا وذويهم بمنظومة العدالة السورية.
وبرأيه فإن القضاة السوريين، مهما بلغت خبرتهم، يواجهون تحديا استثنائيا يتطلب الاستعانة بخبرات قانونية متخصصة، سواء عبر الاستفادة من التجارب الدولية السابقة في العدالة الانتقالية أو من خلال التعاون مع مؤسسات دولية تمتلك خبرة تراكمية في إدارة هذا النوع من المحاكمات. كما أن الاستفادة من هذه الخبرات لا تتعارض مع الحفاظ على الطابع الوطني السوري للمحاكمات، بل تساعد في معرفة الإيجابيات والسلبيات وتطوير نموذج سوري يستفيد من التجارب المقارنة دون أن يفقد خصوصيته.
ويحمل هذا الاستحقاق الوطني من وجهة نظر المتحدث، أهمية كبيرة على أكثر من مستوى. فمن جهة أولى، يرى أن الضحايا وذويهم بحاجة إلى الشعور بأن العدالة تسير في الاتجاه الصحيح، لأن ذلك يشكل أساسا ضروريا لإعادة بناء الدولة والانطلاق نحو المستقبل، معتبرا أن العدالة لا تقتصر على العقاب، بل تمهد أيضا للمسامحة واستعادة الحقوق. ومن جهة ثانية، يعتبر أن نجاح الدولة في تنظيم محاكمات عادلة وذات مصداقية سيشكل دليلا على أن سوريا الجديدة تبنى على أسس قانونية ومؤسساتية سليمة. أما على المستوى الثالث، فيرى أن نجاح هذا الملف المعقد سيعزز الثقة الدولية بالدولة السورية، وقد يشجع الدول التي تؤوي بعض المطلوبين أو المتهمين على التعاون وتسليمهم مستقبلًا.
وفي معرض حديثه عن طبيعة النقاشات الدائرة، أوضح جاسم أن بعض الأطراف طرحت فكرة الاستعانة بقضاة دوليين للمشاركة في المحاكمات، في حين اعتبر آخرون أن ذلك قد يشكل تدخلا في الشأن السوري أو انتقاصا من مكانة القضاء الوطني. كما ظهرت مقترحات تدعو إلى إنشاء محاكم خاصة تستند إلى قوانين جديدة تتناسب مع طبيعة الجرائم المرتكبة، وتنسجم مع معايير القانون الدولي والعدالة الدولية.
في المقابل، أشار إلى وجود تيار آخر يرى أن القضاء السوري العادي والقوانين المحلية القائمة قادران، من حيث المبدأ، على التصدي لهذا النوع من القضايا، استنادا إلى أن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تخضع أصلا لقواعد القانون الدولي حتى لو لم تدرج صراحة في التشريع المحلي. كما لفت إلى أن انعقاد مجلس الشعب المرتقب قد يتيح إدخال تعديلات تشريعية ضرورية من خلال التعاون بين السلطتين التشريعية والقضائية، بما يسمح بتطوير الإطار القانوني تدريجيا.
وحول الجدل المتعلق بتوقيت المحاكمات، رأى المتحدث أن بعض الأطراف ترى أن الحكومة تسارع في فتح هذا الملف بهدف تخفيف الضغوط القادمة من قاعدتها الشعبية والحفاظ على شعبيتها، بينما يرى آخرون أن الاستعجال نفسه يمثل ضرورة لمنع الانفلات المجتمعي والحفاظ على السلم الأهلي، وتفادي حالات انتقام فردية قد تدفع البلاد نحو مزيد من الفوضى والدمار.
إشكالية عقوبة الإعدام
وإزاء النقاش الحساس المتعلق بعقوبة الإعدام، يرى بعض المراقبين أن إصدار أحكام بالإعدام قد يدفع الدول التي ألغت هذه العقوبة إلى رفض تسليم المطلوبين أو التعاون القضائي مع سوريا، في حين يطالب جزء من الرأي العام السوري بإنزال أقصى العقوبات بحق المتورطين، بل إن بعض الأصوات تدعو إلى تنفيذ الإعدام في الساحات العامة أو في أماكن وقوع الجرائم. ويرى جاسم أن هذه المواقف تعكس حجم التعقيد والتحديات التي تواجه أي مسار عدالة في سوريا اليوم.
ورغم كل هذه التحديات، يعتقد الدكتور طلال عبد الله جاسم أن الوصول إلى حلول معقولة ومتوازنة لا يزال ممكنا، بما يحفظ سمعة القضاء السوري ويحقق أهداف العدالة المنشودة. ومن هذا المنطلق، دعا المتحدث إلى تشكيل مجلس قانوني استشاري يضم نخبة من أبرز الخبراء القانونيين السوريين، سواء من القضاة المتقاعدين أو المحامين أو أساتذة القانون داخل سوريا وخارجها، مؤكدا أن لدى سوريا طاقات قانونية كبيرة يمكن الاستفادة منها في هذه المرحلة الحساسة.
كما شدد على ضرورة أن يضم هذا المجلس شخصيات تمثل اتجاهات وآراء مختلفة، وألا يتم استبعاد أي خبرة قانونية حتى لو كانت آراؤها حادة أو ناقدة، لأن المطلوب، بحسب رأيه، هو أن تكون مؤسسات الدولة والقضاء على دراية كاملة بكل أبعاد الملف وتعقيداته. معتبرا أنه لا مانع أيضا من الاستعانة بالمؤسسات الدولية لتقديم المشورة والخبرة الفنية للقضاة السوريين وللمجلس الاستشاري المقترح، بما يدعم جودة الإجراءات بدون أن يلغي الطابع الوطني للمسار القضائي.
وفي ختام رؤيته، حذر جاسم من أن هناك جهات وفئات متضررة بشكل مباشر من مسار العدالة، وستعمل بكل الوسائل الممكنة على تعطيله أو إفشاله، سواء عبر النفوذ السياسي أو المال أو الدعم الخارجي الذي تحظى به بعض هذه الأطراف. مؤكدا أن هذه القوى قد تشكل تحديا خطيرا ليس فقط لمسار العدالة الانتقالية، بل أيضا لمسار إعادة بناء الدولة السورية واستقرارها في المرحلة المقبلة