تمرّ الدولة السورية الوليدة بمرحلة دقيقة تتطلب قدرًا عاليًا من الوعي والمسؤولية في إدارة العلاقة بين مؤسساتها وجمهورها. وفي خضم هذه المرحلة، يتقدّم سؤال جوهري: كيف يمكن بناء الثقة بين دولةٍ تحاول النهوض من إرثٍ ثقيل، ومجتمعٍ أنهكته الخسارات وتراكمت في ذاكرته جراحٌ مفتوحة؟
هذا السؤال ليس تنظيرًا أكاديميًا، بل هو ضرورةٌ عملية. وما يدفعني إلى طرحه اليوم، كباحثةٍ تخطو خطواتها الأولى في مجال الاتصال الجماهيري، هو ملاحظتي المتكررة لخللٍ واضحٍ في الطريقة التي تُقدَّم بها القرارات العامة، وفي المسافة التي تتسع بين نوايا الدولة وطريقة تواصلها مع الناس.
بين النقد المشروع والتشكيك المسبق
من حق السوريين أن ينتقدوا ويسائلوا ويطالبوا بالوضوح. هذا حقٌّ لا يمكن التنازل عنه، ولا يجوز أن يُختزل في خانة "التشويش" أو "التخوين".
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض النقد يتحوّل إلى حالة تشكيكٍ مسبق تُربك كلّ خطوةٍ، وتحوّل أيّ قرارٍ إلى محكمةٍ افتراضيةٍ قبل أن تتضح معالمه.
وفيما يطالب البعض كاتبًا: "الدولة اليوم لا تطلب حصانة، لكنها تطلب – بحق – فرصة عمل"؛ فإن الفرصة لا تُمنح في بيئةٍ يسبق فيها الحكمُ الفهمَ، وتسبقُ فيها الاتهاماتُ المعلوماتِ.
التواصل المؤسسي: الحلقة التي تحتاج إلى ترميم
من خلال متابعة الخطاب الرسمي، يتضح أن الدولة تنجح بجدارةٍ مبهرةٍ في إدارة صورتها في الملفات الكبرى، لكنّها تتعثر عند مستوى الوزارات والمؤسسات التنفيذية. قراراتٌ حسّاسة تُعلن بصيغةٍ مقتضبة، دون تمهيدٍ أو شرحٍ للسياق، فيتحول الخبرُ إلى صدمةٍ، والصدمةُ إلى غضبٍ، والغضبُ إلى شائعات.
الجدل الأخير حول اتفاقية المصالحة الاقتصادية مثالٌ واضحٌ. لم يكن الاعتراض على مضمون الاتفاق فقط، بل وعلى الطريقة التي أُعلن بها. بيانٌ مقتضبٌ فتح الباب أمام رواياتٍ متضاربةٍ، قبل أن يصدر توضيح متأخر يحدد نطاق الاتفاق ويستبعد أيّ صلة له بملفات العدالة الانتقالية.
كان يمكن تجنّب كل ذلك لو سبقت القرار حملة تواصل مدروسة، تُفسّر وتُمهّد وتضع الجمهور في الصورة.
نظريات الاتصال… أدواتٌ جاهزةٌ تنتظر من يستخدم
في دراستي للاتصال الجماهيري، أتعلم يومًا بعد يوم أن القرارات لا تعيش وحدها، بل تعيش بالطريقة التي تُقدَّم بها. النظريات الأساسية؛ من وضع الأجندة إلى الإطار الإعلامي إلى إدارة الانطباع، تقول بوضوح: إن الجمهور لا يرفض القرار بحد ذاته، بل يرفض غياب السياق.
هذه النظريات ليست رفاهيةً أكاديميةً، بل أدواتٌ عمليةٌ يمكن للدولة أن تستفيد منها في مرحلةٍ حساسةٍ كهذه. فالدولة التي تشرح وتفسّر وتُمهّد، تُسهم في بناء صورةٍ ذهنيةٍ مستقرةٍ، وتحدّ من ردود الفعل الانفعالية، وتمنح نفسها فرصةً للعمل دون ضجيج.
وسأخصص في مقالاتٍ لاحقةٍ شرحًا مبسّطًا لكل نظرية من هذه النظريات، مع تطبيقات من الواقع السوري، لأن المعرفة حين تُبسّط تصبح قوة في يد المجتمع والدولة معًا.
النقد البنّاء يحتاج قنوات.. لا منصات غضب
كما أنّ على الدولة تطوير أدواتها، على المجتمع أيضًا تطوير أدوات نقده. النقد المحق يجب أن يجد طريقه أولًا إلى القنوات الرسمية: منصّات شكاوى فعّالة، لجان متابعة، ومساراتٌ واضحةٌ للمساءلة. حين يشعر المواطن أن صوته مسموع، لن يلجأ مباشرةً إلى مواقع التواصل الاجتماعي. هذه المنصات يجب أن تكون الملجأ الأخير، لا الأول.
الثقة تُبنى من الطرفين
إن بناء الثقة مسؤوليةٌ مشتركةٌ؛ الدولة مطالبةٌ بتطوير أدواتها في التواصل، والمجتمع مطالبٌ بممارسة نقده عبر القنوات الرسمية قبل الانتقال إلى الفضاء الرقمي. وبين الطرفين، يمكن تأسيس علاقة صحية تُتيح للدولة أن تعمل، وللمواطن أن يراقب ويحاسب، بعيدًا عن الفوضى التي أثقلت البلاد لسنوات طويلة.
هذا المقال ليس نهاية النقاش، بل بدايته. وما أطمح إليه، كباحثة، هو أن أساهم في فتح هذا الباب، وأن أقدّم في
مقالاتٍ لاحقة قراءة مبسّطة وعميقة لأدوات الاتصال التي يمكن أن تساعد سوريا الجديدة على بناء علاقةٍ أكثر نضجًا وشفافيةً مع جمهورها.