مع اطلاق حملة "الكلمة تبني" في سوريا لمكافحة خطاب الكراهية والتضليل، يطفو على السطح تخوف وهو كيف يمكن لضبط الخطاب الإعلامي ألا يتحول إلى أداة لتقييد الصحافة وتكميم الأقلام وحرية التعبير؟
ولضمان صحافة حرة تبني ولا تُكمَّم، يضع خبراء في الإعلام والقانون تحدثوا ل سانا، خريطة معايير تفصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، وتجيب عن السؤال المحوري: أين ينتهي النقد البنّاء، ومتى تصبح الكلمة جرم وتحريض؟
أين وكيف يتجلى خطاب الكراهية؟
ترى الصحفية عائشة صبري أن خطاب الكراهية يرتبط بعوامل سياسية واجتماعية وإعلامية، ويتجلى في العنصرية والتحريض والمحتوى المهين والتضليل، بما يشمل تحريف الأخبار واختلاقها وإعادة نشر مواد قديمة، لافتةً إلى أن بعض الوكالات والقنوات تنقل أخباراً مجهولة المصدر دون تحقق كاف.
وتوضح أن منصات التواصل، رغم إتاحتها تعدد الأصوات وكسر احتكار الرواية الإعلامية من جهة واحدة، قد تسهم في نشر الكراهية بفعل خوارزميات تعزز المحتوى المثير والمستفز، ما يفاقم صراع السرديات ويضعف الحوار، وقد يطبع العنف الرمزي ويمهد للعنف المادي.
وتؤكد صبري أن صياغة العناوين وانتقاء المعلومات قد يؤججان خطاب الكراهية، مشيرةً إلى أن سعي بعض الصحفيين لزيادة التفاعلات والمتابعين دون التحقق من تداعيات النشر قد يشعل الخلافات والنعرات ويؤدي إلى إشكالات عشائرية كان يمكن تجنبها.
ووفق صبري فإن إضعاف خطاب الكراهية يرتبط بتسريع تطبيق مسارات العدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، لافتةً إلى أن استغلال أحداث الساحل السوري في آذار 2025 والسويداء في تموز من العام نفسه، زاد من تصاعد خطاب الكراهية على المنصات وحسابات وسائل التواصل الشخصية.
كيف نميز بين حرية التعبير وخطاب والكراهية؟
يفرّق الكاتب الصحفي خزاعي النجم بين النقد المندرج ضمن حرية التعبير، وخطاب الكراهية، بأن الأول يتناول السياسات والقرارات والأزمات العامة وقضايا الفساد، استناداً إلى الأدلة والإثباتات، بهدف تحقيق المصلحة الوطنية وتعزيز السلم الأهلي.
أما الثاني فيستهدف جماعات أو مكونات دينية أو طائفية أو مذهبية، أو فئات على أساس الجنس أو الثقافة، بما يؤدي إلى الانقسام الاجتماعي ويهدد الاستقرار السياسي.
ويقول: إن النقد حق مشروع طالما أنه يتناول الأفكار والسياسات والسلوكيات، مهما كان حاداً، لكنه يتحول إلى تحريض عندما يستهدف الأشخاص والجماعات بسبب هويتهم وانتماءاتهم العرقية والدينية.
وتتفق الصحفية صبري مع رؤية الكاتب خزاعي النجم، وترى أن التمييز بين النقد المشروع وخطاب الكراهية يبدأ بتعريف المفهومين وتطبيقهما عند صياغة الأخبار
وتؤكد أن خطاب الكراهية يشمل التعبيرات الشفهية والكتابية والبصرية والرقمية التي تهاجم أشخاصاً أو جماعات أو تحط من قدرهم بسبب هويتهم، كالعرق أو الأصل القومي أو الإثني أو الدين أو الجنس أو الإعاقة وغيرها.
5 معايير مهنية وأخلاقية
وتحدد صبري خمسة معايير مهنية وأخلاقية للتمييز بين النقد وحرية التعبير وبين خطاب الكراهية وهي:
– هدف المادة؛ إذ يسعى النقد إلى تصويب الأخطاء والإصلاح، بينما يهدف خطاب الكراهية إلى التحريض والإقصاء.
– الموضوع، إذ يتناول النقد الأفعال والسياسات والأفكار، فيما يستهدف خطاب الكراهية الأشخاص بسبب هوياتهم
– اللغة المستخدمة، فالنفد يتناول لغة موضوعية وتحليلية ، بينما خطاب الكراهية يعتمد على الشتائم والتنميط والتجريد من الإنسانية.
– الأدلة والبراهين، إذ يعتمد النقد على الحقائق والمصادر الموثوقة، بينما يعتمد خطاب الكراهية على الشائعات والتعميمات السلبية.
– سياق النشر، من خلال تقييم البيئة والظرف السياسي المحيط، وتأثير المتحدث ونيته.
كيف نكافح خطاب الكراهية دون تقييد حرية الإعلام؟
وحول منع استخدام مكافحة خطاب الكراهية ذريعة لتقييد حرية التعبير أو التضييق على الصحفيين، يبين النجم أن ذلك يتطلب ضوابط قانونية تحمي حق الصحفي في نقل المعلومات، والالتزام بالمعايير المهنية للحد من خطاب الكراهية، موضحا أن نقل المواقف في سياق توثيقي أو تحقيقي أو نقدي لا يعني تبنيها، خلافاً للإعلام الموجه الذي يروج للمواقف ويجتزئها ويقصي الآخرين.
ويؤكد النجم ضرورة مراعاة المساواة بين فئات الجمهور والاستعانة بالكفاءات المهنية عند نشر المواد الإعلامية، مشيراً إلى أهمية تنظيم ورشات عمل داخل المؤسسات الإعلامية لوضع مواثيق أخلاقية وآليات واضحة لتلقي الشكاوى وتصحيح الأخطاء المهنية.
بدورها، تشدد صبري على ضرورة اعتماد تعريفات قانونية دقيقة لخطاب الكراهية، وتجنب المصطلحات الفضفاضة، مثل (وهن عزيمة الأمة أوإثارة النعرات الطائفية والعرقية، أو المساس بهيبة الدولة..الخ)، التي قد تُستخدم لتجريم النقد السياسي والاقتصادي، وحصر التجريم في التحريض المباشر والواضح على العنف أو التمييز أو الأذى.
وتؤكد أن القوانين المناهضة للكراهية تهدف إلى حماية الفئات المستضعفة والمواطنين، لا إلى حماية الشخصيات العامة والمسؤولين من النقد والمساءلة الصحفية.
وتدعو صبري إلى ضمان وجود قضاء مستقل لا يعتمد على تقارير أمنية تفتقر إلى أدلة مادية عند مساءلة الصحفيين، لافتة إلى أهمية الاستناد إلى “خطة عمل الرباط الصادرة عن الأمم المتحدة”، التي تميز بين حرية التعبير والتحريض المحظور عبر تقييم القصد من الخطاب وسياقه، والتحقق من وجود خطر وشيك ومباشر لوقوع العنف.
خطاب الكراهية في القانون الدولي
يوضح نقيب المحامين، محمد علي الطويل، أن القانون الدولي لا يتضمن تعريفاً موحداً وملزماً لجميع صور خطاب الكراهية، مشيراً إلى أن المادة 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، بالتكامل مع المادة 19 التي تحمي حرية الرأي والتعبير وتحدد شروط تقييدها.
ويؤكد الطويل أن ليس كل خطاب مسيء أو مثير للجدل يشكل جريمة، مشدداً على ضرورة حماية حرية التعبير ومنع التحريض على الاعتداء على حقوق الآخرين، بما يسهم في الحفاظ على السلم الأهلي وبناء الثقة بالمؤسسات وسيادة القانون في سوريا.
حرية التعبير وحدودها في القانون السوري
يوضح الطويل أن الإعلان الدستوري السوري لعام 2025 كفل حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، مؤكداً أن أي قيد عليها يجب أن يستند إلى نص قانوني واضح، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً، دون أن يجيز هذا الحق الاعتداء على الآخرين أو التحريض على العنف والتمييز.
ويؤكد بدوره أن النقد المشروع يتناول أداء الأشخاص والمؤسسات والسياسات العامة، مهما كان حاداً، بينما يستهدف خطاب الكراهية الأشخاص أو الجماعات بسبب هويتهم، ولا سيما عندما يتحول إلى تحريض على التمييز أو العداوة أو العنف، مشيراً إلى أن التمييز بينهما يستند إلى مضمون الخطاب وسياقه والقصد منه واحتمال وقوع الضرر.
وحول المسؤولية القانونية، يوضح الطويل أن المادة 307 من قانون العقوبات السوري قد تنطبق عند توافر شروطها المتعلقة بإثارة النعرات العنصرية أو المذهبية أو النزاع بين عناصر الأمة، إلى جانب نصوص جزائية أخرى بحسب طبيعة الفعل، بما فيها بعض أحكام قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، مع ضرورة إثبات أركان الفعل الجرمي واحترام قرينة البراءة وحق الدفاع ومبدأ «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني».
كيف يلجأ المتضررون إلى القانون؟
يوضح الطويل أن المتضررين يستطيعون توثيق المنشورات والرسائل والتسجيلات والاحتفاظ بما يثبت مصدرها وتاريخها، ثم تقديم شكوى إلى الجهة القضائية المختصة والمطالبة بالتعويض عند توافر شروط المسؤولية والضرر، مع ضمان حق المشتكى عليه في الدفاع والمحاكمة العادلة، وعدم استخدام الشكاوى لإسكات المعارضين أو الصحفيين؟
إعلان دمشق والمدونة المهنية وقانون الإعلام
دعا «إعلان دمشق» لحرية الصحافة والتضامن الإعلامي، الذي أطلقه الاتحاد العام للصحفيين العرب برعاية وزارة الإعلام18 تشرين الأول 2026، إلى ترسيخ أخلاقيات المهنة لمواجهة التضليل الإعلامي، وتطوير آليات مشتركة لحماية الصحفيين وتعزيز السلامة المهنية والرقمية.
ومن جهة أخرى أكد أمين الشؤون المهنية في اتحاد الصحفيين السوريين محمود أبو راس أن مشروع قانون الإعلام الجديد وصل إلى مراحله النهائية، وسيُحال قريباً إلى مجلس الشعب.
وأوضح أنه يضمن حرية الرأي والتعبير وحق الوصول إلى المعلومات وتكافؤ الفرص، ويمنح الصحفي حصانة قانونية غير مسبوقة أسوة بالمحامين، إذ يحظر توقيفه أو تفتيشه إلا في حالة الجرم المشهود وبعد إخطار اتحاد الصحفيين رسمياً.
كما بين عمر حاج أحمد مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام أن الوزارة تعمل منذ التحرير على مسارين لتنظيم قطاع الإعلام، الأول مهني وأخلاقي تمثل بإطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي للإعلام في سوريا، والثاني قانوني لاستكمال مسودة قانون الإعلام الجديد، إلى جانب العمل على تشكيل لجنة أخلاقية مسلكية مستقلة لضبط المحتوى الإعلامي، يُرجح أن يرأسها قاضٍ أو مختص بالإعلام.