شح المياه في سورية… درعا نموذجاً لأزمة معيشية متفاقمة

مراد قره مصطفى
الثلاثاء, 20 أكتوبر - 2026
صهريج مياه الشرب لتزويد المستهكلين في درعا
صهريج مياه الشرب لتزويد المستهكلين في درعا


تبدو محافظة درعا، تاريخياً، منطقة وفيرة بالمياه بفضل ينابيعها وسدودها وحوض اليرموك. غير أن الصورة الميدانية اليوم تناقض هذا الانطباع تماماً. فقد تحولت المحافظة إلى واحدة من أكثر المناطق السورية تضرراً من الشح المائي، حيث باتت ساعات الضخ المحدودة وأسعار الصهاريج المرتفعة واقعاً يومياً لمعظم السكان.
أرقام تعكس التراجع الحاد
تكشف البيانات الرسمية عن تدهور واضح في الموارد. تراجعت غزارة الينابيع في درعا من 6786 متراً مكعباً في الساعة إلى نحو 960 متراً مكعباً فقط، أي بنسبة فاقد تجاوزت 85%. وجفت معظم الينابيع الرئيسية، ولم يبقَ منها فعالاً سوى أربعة: وادي الهرير والصافوقية وغزالة وعين ذكر، مع انخفاض ملحوظ في غزارتها أيضاً.
أما السدود الستة عشر في المحافظة، التي تبلغ سعتها التصميمية نحو 92 إلى 96 مليون متر مكعب، فقد انخفض مخزونها في المواسم الأخيرة إلى ما بين 3 و13 مليون متر مكعب فقط، أي بنسبة امتلاء لا تتجاوز 4 إلى 13%. وسجلت معدلات الهطول المطري في درعا خلال الموسم الأخير أرقاماً متدنية بلغت 113 إلى 151 مليمتراً، بانخفاض يصل إلى 60% مقارنة بالأعوام السابقة، ضمن موجة جفاف وصفتها منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) بأنها الأشد منذ عقود.
وعلى المستوى الوطني، انخفضت حصة الفرد السوري من المياه إلى ما بين 500 و675 متراً مكعباً سنوياً، وهي دون خط الفقر المائي العالمي البالغ ألف متر مكعب.
عوامل الاستنزاف الميدانية
يقف وراء هذا التراجع مزيج من العوامل المتراكمة. أدت موجات الجفاف المتتالية والتغيرات المناخية إلى ضعف تغذية الأحواض الجوفية والسطحية. غير أن العامل الأبرز يبقى الاستنزاف البشري. تشير التقديرات إلى وجود آلاف الآبار المخالفة في المحافظة؛ وقد أحصت اللجان الرسمية حتى أيلول 2026 نحو 2500 بئر مخالف، بينما تقدر مصادر أخرى العدد الإجمالي بما بين 15 و20 ألف بئر، مقابل نحو 4500 بئر مرخص. وقد أدى الحفر العشوائي إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية وجفاف بحيرات وينابيع كانت تغذي الشبكات، مثل المزيريب وزيزون.
تضاف إلى ذلك التعديات على خطوط الجر ومشاريع الضخ. ففي محطة الأشعري، التي تغذي مناطق واسعة في غرب وشمال درعا، انخفضت الكميات المضخوخة بشكل حاد، ويصل الفاقد بسبب الاستجرار غير المشروع لأغراض الري إلى نسب مرتفعة تتجاوز في بعض التقديرات 50%. كما تضررت أجزاء واسعة من الشبكات خلال السنوات الماضية، مما زاد من نسب الهدر.
تفاوت جغرافي داخل المحافظة
لا تتوزع الأزمة بالتساوي. في ريف درعا الغربي، تواجه مدينة نوى، التي يقطنها نحو 120 ألف نسمة، انقطاعات طويلة وصلت في بعض الفترات إلى أكثر من 100 يوم دون وصول مياه الشبكة. وانخفضت حصتها من محطة الأشعري من مئات الأمتار المكعبة إلى مستويات لا تكفي الاحتياجات الأساسية. أما في المنطقة الشرقية، بما في ذلك بصرى الشام وصماد والمناطق المجاورة، فيعاني السكان من جفاف آبار محلية وارتفاع الاعتماد على الصهاريج، مع ضغط إضافي ناتج عن توافد أسر نازحة.
وفي القرى النائية مثل معرية، يعتمد الأهالي على آبار محدودة الغزارة تصل المياه منها مرة كل أسبوعين لساعات قليلة، مما يدفعهم إلى شراء صهاريج بأسعار تتراوح بين 90 ألفاً و350 ألف ليرة سورية للنقلة الواحدة، بحسب المنطقة والموسم.
أثر مباشر على المعيشة والأمن الغذائي
تنعكس الأزمة مباشرة على حياة السكان. يحصل نحو 60% من أهالي المحافظة على كميات يومية لا تتجاوز 25 لتراً للفرد، وهي أقل بكثير من الحد الأدنى المقبول للاحتياجات المنزلية. ويضطر معظم الأسر إلى تخصيص جزء كبير من دخلها المحدود لشراء المياه، مما يفاقم الضغوط المعيشية.
زراعياً، أدت قلة المياه إلى خسائر واسعة في المحاصيل البعلية والمروية، خاصة القمح والزيتون والعنب، مما يهدد الأمن الغذائي المحلي ويزيد من الاعتماد على الاستيراد. وتتحول الأزمة من مشكلة بيئية إلى أزمة معيشية تؤثر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في واحدة من أهم المناطق الزراعية في جنوب سورية.
حلول عملية قابلة للتنفيذ
تتطلب مواجهة الشح مقاربة متدرجة وواقعية. أولاً، استكمال حصر الآبار المخالفة وتشميع غير المصرح عنها، مع إمكانية ربط بعضها بمنظومة مياه الشرب بعد التسوية القانونية والفنية، لزيادة الكميات المتاحة دون استنزاف إضافي. ثانياً، صيانة الشبكات ومحطات الضخ وتقليل الفاقد، مع الاعتماد على منظومات طاقة شمسية لتشغيل المضخات في ظل صعوبات الكهرباء.
ثالثاً، تعزيز مصادر جديدة عبر حفر آبار استراتيجية في مناطق مناسبة مثل تل الجموع، وتأهيل السدود المتضررة لتحسين التخزين. رابعاً، تشجيع تقنيات الري الحديثة والتحول نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه، مدعومة بتدريب المزارعين وبرامج تمويل صغيرة. وأخيراً، يمكن أن يسهم التعاون الإقليمي في حوض اليرموك، إلى جانب مشاريع تجميع مياه الأمطار على المستوى المحلي، في بناء مرونة طويلة الأمد.
يبقى الشح المائي في درعا مؤشراً على تحدٍ وطني أوسع. غير أن التركيز على الإجراءات الميدانية القابلة للتنفيذ، بعيداً عن الحلول الإنشائية، يمثل الطريق الأكثر واقعية لتخفيف المعاناة واستعادة جزء من التوازن المائي في الجنوب السوري.