ناشيونال انترست: لماذا تتعثر فكرة الدولة الدرزية في سوريا

السبت, 17 أكتوبر - 2026
قوات درزية في السويداء
قوات درزية في السويداء


   تواجه الدعوات إلى إقامة دولة درزية مستقلة تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، تجعل فرص تحقق هذا المشروع محدودة، وفق تحليل تناول مستقبل السويداء واستبعد تحليل نشرته مجلة "ناشيونال إنتريست".
  الأمريكية إمكانية قيام دولة درزية مستقلة في سوريا، مستندًا إلى محدودية الموارد الطبيعية وشح المياه والعزلة الاقتصادية التي تعانيها محافظة السويداء، إلى جانب غياب الدعم الإقليمي والدولي لمشروع الانفصال، معتبرًا أن الحكومة السورية قد تتمكن من استعادة المنطقة مستقبلًا دون اللجوء إلى القوة.
وقال آدم دهسابزي، الباحث في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية، في التحليل المنشور إن ضعف مقومات الاستقلال الاقتصادي في السويداء، ذات الأغلبية الدرزية جنوب شرقي سوريا، يجعل إنشاء كيان مستقل فيها يواجه عقبات كبيرة، رغم ابتعاد المحافظة عن سيطرة الحكومة الانتقالية منذ أحداث العنف التي شهدتها في تموز / يوليو 2025.
وتناول الكاتب أوضاع الأقليات في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد وفراره من البلاد في كانون الأول / ديسمبر 2024، مشيرًا إلى أن النظام السابق استخدم حماية الأقليات الدينية مبررًا لاستمرار حكمه، عبر تصوير نفسه باعتباره الجهة الوحيدة القادرة على حمايتها من جماعات المعارضة ذات التوجهات الإسلامية.
وأضاف أن التحذيرات المتعلقة بمخاطر سقوط النظام أعقبتها أعمال عنف طائفية دامية، ففي آذار / مارس 2025، شهدت محافظتا اللاذقية وطرطوس الساحليتان هجمات ضد العلويين، بعد أن نصبت مجموعات من بقايا النظام السابق كمينًا لقوات الأمن التابعة للحكومة الانتقالية. ووفق التحليل، ردت قوات حكومية وأخرى غير حكومية بحملة عنيفة أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 1400 علوي.
وربط الكاتب هذه الأحداث بسياسات نظام الأسد، الذي حكم سوريا نحو خمسة عقود، وقال إنه استقطب أعدادًا من العلويين إلى المؤسسة العسكرية تفوق نسبتهم السكانية، مستفيدًا من المخاوف الطائفية لتعزيز سلطته، وهو ما اعتبره عاملًا ساهم في تحول العنف اللاحق إلى شكل من أشكال الانتقام والعقاب الجماعي.
وفي تموز / يوليو 2025، اندلعت مواجهات جديدة في السويداء، بدأت، بحسب المقال، بعملية سطو ومواجهة عند نقطة تفتيش، ثم تطورت إلى عمليات خطف متبادلة بين جماعات مسلحة درزية ومسلحين من العشائر البدوية السنية.
وأشار التحليل إلى أن تدخل قوات الحكومة الانتقالية إلى جانب العشائر البدوية أدى إلى تصاعد العنف، الذي أسفر عن مقتل ما يصل إلى 1700 مدني، معظمهم من الدروز، بالتزامن مع شن إسرائيل غارات جوية قالت إنها تأتي دعمًا للدروز.
وفي أعقاب تلك الأحداث، تمكن الرئيس السوري أحمد الشرع من استعادة سيطرة الحكومة على اللاذقية وطرطوس، بينما اضطرت القوات الحكومية إلى الانسحاب من السويداء. ومنذ ذلك الحين، تتولى جماعة "الحرس الوطني"، وهي تشكيل شبه عسكري درزي يقوده الزعيم الروحي حكمت الهجري، إدارة المحافظة بصورة مستقلة عن الحكومة المركزية، وفق ما أورده الكاتب.
ولفت دهسابزي إلى أن علاقة الهجري بنظام الأسد شهدت تقلبات، لكنه دعمه خلال سنوات الحرب الأهلية. ومع انهيار النظام، لجأ عدد من أفراد أجهزته الأمنية السابقة إلى السويداء طلبًا للحماية، مضيفًا أن أكثر من نصف قيادات الحرس الوطني، بحسب مصادر استند إليها المقال، هم ضباط كبار سابقون في نظام الأسد.
ومن بين الأسماء التي أوردها التحليل طلال عامر، المتحدث باسم الحرس الوطني، وجهاد الغوطاني، الذي خدم في الفرقة الرابعة التابعة للجيش السوري، والتي ارتبطت بمليشيات إيرانية.
وكان الهجري قد طرح، في بيان بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لأحداث السويداء، احتمالات متعددة لمستقبل المحافظة، شملت الاستقلال أو الحكم الذاتي أو الحماية من دولة أخرى أو الاندماج مع دولة أخرى. لكن الكاتب رأى أن فرص تحقيق هذه الخيارات تبدو محدودة.
وأوضح أن السويداء تفتقر إلى المقومات الاقتصادية التي قد تساعدها على الاستمرار كدولة مستقلة، مقارنة بمناطق سورية أخرى. فالمناطق الساحلية ذات الأغلبية العلوية تتمتع ببنية تحتية حديثة وإطلالة على البحر المتوسط، بينما تضم مناطق شمال شرقي سوريا التي يقطنها الأكراد احتياطيات من النفط والغاز.
في المقابل، تتسم جغرافية السويداء، وفق التحليل، بالجدب والقحولة، مع محدودية الإنتاج الزراعي وغياب الموارد الطبيعية القابلة للتصدير وعدم توافر كميات كافية من المياه لتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وأضاف الكاتب أن ضعف الفرص الاجتماعية والاقتصادية دفع كثيرًا من أبناء الطائفة الدرزية على مدى عقود إلى الانتقال إلى دمشق لاستكمال تعليمهم الجامعي أو الالتحاق بالجيش. كما أشار إلى أن السويداء، رغم كونها المحافظة السورية الوحيدة ذات الأغلبية الدرزية، لا تضم سوى جزء من الدروز في البلاد، إذ يعيش نحو نصفهم في دمشق وإدلب وجبل الشيخ، وفق تقديرات استشهد بها المقال.
 ويرى التحليل أن العوائق أمام استقلال السويداء لا تقتصر على الاقتصاد والجغرافيا، بل تشمل أيضًا غياب الحماس الدولي لدعم مشروع الحكم الذاتي أو الانفصال، إلى جانب تحفظات دول الجوار.
فبالنسبة للأردن، قد يؤدي قيام دولة درزية مستقلة على حدوده إلى تعقيد الوصول المباشر إلى دمشق، فضلًا عن مخاوف عمّان من نشوء كيان يعتمد على تجارة المخدرات قرب أراضيها، وفق المقال. أما في لبنان، فيحذر الكاتب من أن إقامة كيان سياسي على أساس طائفي أو تقسيم سوريا قد ينعكس سلبًا على التوازنات الطائفية الهشة ووحدة الأراضي اللبنانية.
وعلى المستوى الغربي، قال دهسابزي إن فرص دعم دولة درزية مستقلة تبدو محدودة، مشيرًا إلى أن المنطقة الخاضعة لسيطرة الهجري تُدار وفق نموذج ديني تقوده ثلاث عائلات دينية، ويحظى بدعم شخصيات من بقايا النظام السابق.
كما ميّز الكاتب بين الدعم الإسرائيلي للهجري والحرس الوطني وبين تأييد إقامة دولة درزية مستقلة، معتبرًا أن تمويل هذه الجماعة ومساندة تحركاتها الإعلامية لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تدعم الانفصال.
وتطرق التحليل إلى اقتراح الهجري دمج السويداء بإسرائيل وتحويلها إلى جزء من إطارها الاستراتيجي، مشيرًا إلى أن تنفيذ هذا التصور قد يتطلب السيطرة على محافظة درعا ذات الأغلبية السنية، الواقعة بين مرتفعات الجولان والسويداء، وهو ما قد يضع إسرائيل أمام خيارات معقدة تتعلق بضم سكان معادين لها أو تهجيرهم قسرًا على أساس عرقي.
وحذر الكاتب من أن غياب الدعم الخارجي، إلى جانب الأزمة الاقتصادية والعزلة التي تعيشها السويداء، قد يدفع المنطقة إلى مزيد من التدهور، أو يحولها إلى كيان محدود القدرات يعتمد على أنشطة التهريب، ويخضع لسلطة دينية لا توفر، بحسب تقييمه، مشاركة سياسية كافية للسكان أو فرصًا اقتصادية للشباب.
وأشار المقال إلى أن شبكات تهريب المخدرات والأسلحة والوقود والكحول إلى الأردن ساهمت في استمرار النشاط الاقتصادي بالمحافظة، مضيفًا أن شبكة تهريب الكبتاغون التي أنشأها نظام الأسد انتقلت إلى السويداء بعد حظر الحكومة الانتقالية إنتاج هذه المواد ونقلها، وهو ما أتاح، بحسب الكاتب، للهجري والحرس الوطني الاستفادة من عمليات التهريب.
وفي المقابل، رأى دهسابزي أن الحكومة السورية قد تستعيد السيطرة على السويداء بالقوة، لكن التدخل الإسرائيلي المحتمل يجعل هذا الخيار مكلفًا لدولة لا تزال تتعامل مع آثار سنوات طويلة من الحرب والدمار.
وطرح الكاتب احتمالًا آخر يتمثل في انتظار دمشق تصاعد التوترات الداخلية، معتبرًا أن العزلة والفقر وتراجع فرص الحراك الاجتماعي والاقتصادي قد تدفع الشباب الدروز إلى الاحتجاج على قيادة الهجري والحرس الوطني.
واستشهد في هذا السياق بتعذر تقدم أكثر من 13 ألف طالب من طلاب المرحلة الثانوية في السويداء للامتحانات الوطنية في دمشق خلال حزيران / يونيو 2026، وهو ما أثار احتجاجات في المحافظة، بينما ظل غير واضح ما إذا كان منعهم من السفر قد صدر عن الحرس الوطني أم عن قوات الأمن الحكومية.
وأكد التحليل أن الروابط التاريخية بين المجتمع الدرزي والقومية السورية والعربية ومناهضة الاستعمار تمثل عاملًا مهمًا في النقاش بشأن مستقبل المحافظة، مشيرًا إلى أن هذه الخلفية تجعل وحدة الأراضي السورية مبدأ مهمًا لدى قطاعات من الدروز.
ودعا الكاتب الحكومة الانتقالية إلى العمل على بناء دولة جامعة، ومواجهة الروايات التي تربط مستقبل سوريا بعد الأسد بإقصاء الأقليات أو تهميشها على أساس ديني.
وخلص دهسابزي إلى أن فرص الحكم الذاتي المحلي في السويداء محدودة، وأن احتمال الانفصال عن سوريا يواجه عقبات كبيرة، مرجحًا أن تنتظر دمشق تغير الأوضاع داخل المحافظة بدلًا من استعادة السيطرة عليها عسكريًا. كما أشار إلى وجود ثلاثة مقاعد مخصصة للسويداء في مجلس الشعب السوري الذي أعيد افتتاحه حديثًا، لا تزال شاغرة، وفق المقال