الغطاء النباتي في سورية: ثروة تتراجع بصمت

مراد قرة مصطفى
الأحد, 11 أكتوبر - 2026
غابات في شمال سوريا
غابات في شمال سوريا

قد تبدو سورية للوهلة الأولى بلداً محدود الغطاء النباتي، خصوصاً عند النظر إلى مساحاتها الواسعة من البادية والمناطق شبه الجافة. لكن هذه الصورة تخفي تنوعاً نباتياً يمتد من الغابات الساحلية والمرتفعات الغربية إلى السهوب والمراعي في الداخل والبادية، وصولاً إلى النباتات الزراعية والبرية في السهول والوديان.

وتبلغ مساحة الغابات وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة نحو 5,221 كم²، أي قرابة 2.84% من مساحة البلاد بحسب آخر سلسلة منشورة حتى 2020. غير أن الغابات جزء من الصورة فقط، فالمراعي والسهوب والأشجار المثمرة والمحاصيل تشكل منظومة نباتية أوسع بكثير.

الغطاء النباتي ليس غابات فقط

تكمن أهمية الغطاء النباتي السوري في تنوعه الجغرافي. ففي الساحل والجبال الغربية ترتفع كثافة الأشجار بسبب الهطولات الأعلى، وتتراجع تدريجياً باتجاه الداخل والبادية، ولذلك لا يصلح للجزيرة السورية أو البادية ما ينجح في اللاذقية وريف طرطوس. وفي المناطق الجافة لا يعني انخفاض الغطاء غياب الحياة، فالأعشاب والشجيرات التي تظهر بعد مواسم الأمطار تقوم عليها المراعي الطبيعية، وتغذي الثروة الحيوانية وتحمي التربة من الانجراف.

أرقام تكشف جزءاً من المشكلة

تُظهر بيانات مراقبة الغطاء الشجري بالأقمار الصناعية أن سورية فقدت بين عامي 2001 و2024 نحو 30,460 هكتاراً، أي حوالي 305 كم²، ضمن تعريف يشمل الأشجار التي يزيد ارتفاعها على 5 أمتار، ولا يعني بالضرورة إزالة دائمة للغابة.

• 105,940 هكتار: غطاء شجري كثافته أكثر من 30% عام 2000

• 28.8%: خسارة تراكمية حتى عام 2024

• 5,371 هكتاراً: خسارة في عام 2012 وحده

وبالمقارنة مع خط الأساس عام 2000 تمثل الخسارة نحو 28.8%، مع الانتباه إلى أن المؤشر لا يحسب مكاسب الغطاء الشجري الجديد. أما 2020 فسجلت 3,037 هكتاراً، و2021 نحو 2,856 هكتاراً.

لماذا بلغت الخسارة ذروتها في 2012؟ الأرقام وحدها لا تجيب، لكن السياق يقدم فرضية قوية. فقد رصدت دراسة أُعدت في جامعة لوند السويدية، ونُشر ملخصها عام 2025، أن سنوات الحرائق الكثيفة، ومنها 2012 و2016 و2020، تطابقت مع ذروات فقدان الغطاء الشجري، ولا سيما في المناطق التي اشتد فيها القتال، وفي مقدمتها اللاذقية وحماة وإدلب. فيبدو أن 2012 كان عام معارك وحرائق، وأن 2020 كان عام الحرائق الكبرى في جبال الساحل. وتبقى هذه قراءات تحتاج إلى مطابقة ميدانية.

ما وراء الأرقام: حطب وحرائق وغياب رقابة

وراء الأرقام ثلاثة عوامل مباشرة تتكرر في تقارير السنوات الماضية. أولها الطاقة: فمع ارتفاع أسعار المحروقات وشحها اتجه كثيرون إلى الحطب بديلاً عن المازوت والغاز، وتحدثت تقارير عن قطع أشجار للتدفئة في الشمال الغربي، وعن إنتاج الفحم للبيع في جبال الساحل. وثانيها ضعف الحماية: فقد تراجع إنتاج الغراس الحراجية، بحسب مبادرة الإصلاح العربي، من نحو 30 مليون غرسة سنوياً قبل 2011 إلى نحو 5 ملايين في 2019 و6 ملايين في 2020، وغابت سلطة قادرة على تنظيم القطع والرعي.

وثالثها الحرائق. فقد بلغت المساحة المحترقة نحو 1,612 هكتاراً في 2019، ثم 13,277 هكتاراً في 2020، بحسب موقع «أثر» الذي رصدها. وهذا الرقم أكبر من خسارة الغطاء الشجري المسجلة في السنة نفسها، وقد يعود الفرق إلى أن الحرائق تلتهم أعشاباً وشجيرات وأشجاراً صغيرة لا يحصيها مؤشر الأشجار العالية. أما أسباب الحرائق فمحل خلاف: فقد أعلنت السلطات في 2020 توقيف عشرات المتهمين بإشعالها، بينما أشارت دراسات إلى حرق المخلفات الزراعية وموجات الحر وضعف الإمكانات.

ثلاث جغرافيات وثلاثة وجوه للتدهور

لا يتخذ التراجع الشكل نفسه في كل مكان. ففي الساحل والجبال الغربية يتركز الخطر في قطع الأشجار المعمرة للحطب والفحم، وفي حرائق كبرى تترك سفوحاً مكشوفة وتربة هشة تجرفها أولى الأمطار. وفي البادية والسهوب يتمثل في الرعي المبكر والجائر والحراثة العشوائية التي تضعف غطاء الشيح والرمث والرغل؛ وبحسب دراسة أممية أُعدت مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة عام 2020، تراجعت مساحة الشجيرات والأراضي قليلة الغطاء 15% وارتفعت مساحة الأراضي الزراعية المتدهورة 75% قياساً بعام 2000. وفي الجزيرة وضفاف الفرات يرتبط التراجع بنقص تدفق المياه وجفاف روافد مثل الخابور وانتشار الآبار العشوائية.

أزمة معيشية قبل أن تكون أزمة بيئية

تظهر الكلفة سريعاً في حياة الناس. فحين تتدهور المراعي يضطر المربي إلى شراء الأعلاف، وغالباً مستوردة، فترتفع كلفة إنتاج اللحوم والحليب ومشتقاته ويدفع المستهلك الفرق على مائدته. وحين تنجرف التربة وتضعف خصوبتها تنخفض غلة القمح والزيتون وغيرهما من المحاصيل الاستراتيجية، ويتسع الاعتماد على الاستيراد. ويعتمد 45% من السكان على الزراعة مصدراً لعيشهم بحسب خطة الفاو للطوارئ والتعافي 2025–2027، فيصيب تدهور الأرض شريحة واسعة منهم. وكثير من هذه الأسر تعتمد على الحطب والرعي والزراعة معاً، فتجد نفسها مضطرة إلى استنزاف الأرض التي تعيش منها: الفقر يدفع إلى قطع الشجرة، وقطع الشجرة يعمق الفقر.

الجفاف ليس المتهم الوحيد

من السهل ربط التراجع بالجفاف، لكن الصورة أعقد. فارتفاع الحرارة وتراجع الهطولات يزيدان الضغط على النباتات، إلا أن الرعي الجائر والاحتطاب والحرائق وتغيير استخدام الأراضي واستنزاف المياه تحول الإجهاد المناخي المؤقت إلى تدهور طويل الأمد. والنبات قد يعود بعد المطر، أما التربة المتدهورة فلا تتعافى بالسرعة نفسها، ولهذا يجب التمييز بين التغير الموسمي الطبيعي وفقدان القدرة على التجدد.

حلول تبدأ من القرية

لا يُستعاد الغطاء النباتي بزراعة ملايين الأشجار وحدها، فاختيار النوع يرتبط بالتربة والمناخ والمياه، ويجب أن تسبق التشجير حماية التربة وإدارة الرعي والحد من الحرائق. وأرى أربع خطوات واقعية.

الأولى محميات مجتمعية: إشراك القرى والمربين في حماية الغابات والمراعي مقابل حقوق انتفاع منظمة، بدلاً من الاكتفاء بمنع حكومي لا يستطيع مراقبة كل سفح. وفي البادية يمكن إحياء نظام «الحمى» التقليدي الذي يقوم على إراحة المرعى موسماً وتنظيم دخوله.

الثانية مشاتل رعوية وحراجية: إعادة إنتاج الغراس بعد هبوطه الكبير، والاعتماد على شجيرات محلية مقاومة للجفاف مثل الرغل والشيح والرمث في البادية، والأثل والصفصاف على ضفاف الفرات.

الثالثة تشجير مثمر وبدائل اقتصادية: غراس الخرنوب والسماق والزيتون على حواف الغابات تعطي الأسرة دخلاً من شجرة قائمة فتخف الحاجة إلى قطعها، وتحمي السفح في الوقت نفسه.

الرابعة بدائل للحطب: فمن دون تدفئة ميسورة، كالغاز المنزلي والمواقد الموفرة للوقود، سيبقى قطع الأشجار خياراً لا مفر منه في الشتاء.

ثروة تحتاج إلى قياس قبل أن نحميها

المشكلة ليست في معرفة كم شجرة فقدت سورية فقط، بل في معرفة أين فقدتها ولماذا وما الذي حل محلها، وهل تستطيع المنطقة استعادة غطائها. وهذا يتطلب نظاماً وطنياً حديثاً للمراقبة يجمع صور الأقمار الصناعية والمسوح الحقلية وبيانات التربة والمياه والمناخ. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن المناطق البرية المحمية كانت تعادل نحو 0.7% فقط من مساحة سورية في 2025، وهو رقم يبين حجم الحاجة إلى حماية أكثر فاعلية.

التعافي الأخضر استثمار لا ترف

قدّرت دراسة أممية صدرت في 2020 أن وقف تدهور الأراضي في سورية حتى 2030 يحتاج إلى نحو 360 مليون دولار. وهذا أقل من 0.2% من كلفة إعادة الإعمار التي يقدرها البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار. وعائده مباشر: مراعٍ تُطعم القطعان بدل الأعلاف المستوردة، وتربة تحفظ الغلة، وغابات تمنح الأسر دخلاً وتحمي السفوح والمياه. فالاستثمار في الغطاء النباتي استثمار في استقرار الريف والاقتصاد معاً.

وحين نفقد الغطاء النباتي، لا نخسر الأشجار والنباتات وحدها، بل نخسر جزءاً من قدرة الأرض السورية على إنتاج الحياة من جديد.