الجولان بين 2019 و2026.. سوريا الجديدة تتمسك بالسيادة وتدفع بالقضية دولياً‏

الأربعاء, 7 أكتوبر - 2026
الجولان السوري المحتل
الجولان السوري المحتل


في 25 آذار 2019، اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما وصفه بـ”السيادة ‏الإسرائيلية” على الجولان السوري المحتل، مستنداً إلى اعتبارات تتعلق بوجود إيران ‏وميليشيا حزب الله في جنوب سوريا.‏
بعد سبع سنوات، لم يتغير الوضع القانوني للجولان، وبقي أرضاً سورية محتلة، ورغم ‏استمرار القرار الأمريكي على حاله، إلا أن سوريا التي أحاط بها ذلك القرار تغيرت ‏جذرياً، ففي عام 2019 كانت البلاد غارقة في الحرب، ومؤسساتها مستنزفة، ‏وعلاقاتها الدولية محكومة بعزلة واسعة، بينما كان النفوذ الإيراني ووجود ميليشيا ‏حزب الله جزءاً من المشهد الأمني الذي استند إليه الخطاب الأمريكي.‏
أما اليوم بعد التحرير من النظام البائد، تعمل سوريا الجديدة على تثبيت سيادتها ‏ووحدة أراضيها وإلغاء أي نفوذ خارجي، بالتوازي مع إعادة بناء مؤسساتها وتوسيع ‏حضورها الخارجي، فيما تخوض مسارات دبلوماسية وأمنية لمنع اتساع المواجهة في ‏الجنوب.‏
ومن نيويورك، وفي الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، أكد الرئيس أحمد ‏الشرع أن “الجولان سيبقى أرضاً سورية”، وأن إجراءات الضم الإسرائيلية باطلة ‏بموجب قرار مجلس الأمن 497، مجدداً التزام دمشق باتفاق فض الاشتباك لعام ‌‏1974، ومطالباً بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى خطوط ‏الثامن من ‏كانون ‏الأول 2024‌‌‎.‎
سياق مختلف
لا تقف المقاربة السورية الحالية عند تأكيد الوضع القانوني للجولان، بل تتجه إلى ‏فصل مسار تثبيت هذا الحق عن مسار معالجة التطورات الأمنية في الجنوب، عبر ‏التفاوض للتوصل إلى ترتيبات تحد من التصعيد وتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية ‏إلى خطوط 8 كانون الأول 2024، استناداً إلى المرجعيات الدولية واتفاق فض ‏الاشتباك لعام 1974.‏
وخلال مؤتمر صحفي مشترك مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية ‌‏والسياسة الأمنية كايا كالاس، جدد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني التأكيد ‌‏أن “الجولان أرض سورية”، والتمسك بقرار مجلس الأمن 497، مثمناً موقف الاتحاد ‌‏الأوروبي الرافض للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليه، ودعوته إلى احترام اتفاق فض ‌‏الاشتباك لعام 1974.‏
كما طالب الاتحاد الأوروبي بموقف حازم وحاسم يتمثل في تسمية ‏الاعتداءات ‌‏الإسرائيلية بمسمياتها الحقيقية، والمطالبة بانسحاب قواتها إلى خطوط ‏الثامن من ‌‏كانون الأول لعام 2024، وأعرب عن تطلع سوريا إلى دعم أوروبي لتجديد ولاية قوة ‌‏الأمم ‏المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف”، وقال الشيباني: “إن مطلبنا من شركائنا ‌‏بسيط ومباشر.. قولوا ‏ما يقوله القانون الدولي”.‏
سوريا تختار التعافي لا المواجهة
وفي الوقت الذي تتخذ فيه سوريا خيار الدبلوماسية، تواصل إسرائيل اعتداءاتها على ‏الأراضي السورية وتعرقل المفاوضات.‏
وقال الرئيس الشرع في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة: إن إسرائيل نفذت ‏نحو 500 غارة جوية وقصفاً مدفعياً وأكثر من 1200 توغل، إضافة إلى نحو 300 ‏حالة اعتقال واحتجاز لسوريين.‏
كما بيّن الرئيس الشرع خلال جلسة حوارية استضافها المجلس الأطلسي في نيويورك ‏في الـ22 من أيلول الماضي، أن سوريا لجأت إلى الحوار ‏والاستعانة بالدول الصديقة ‏بما فيها الولايات المتحدة، للتوصل إلى ترتيبات أمنية مع إسرائيل، بدأت مرحلتها ‏الأولى بالبحث في انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تقدمت إليها بعد 8 ‏كانون الأول 2024 والعودة إلى خطوط عام 1974، مشيراً إلى إجراء عدة جولات ‏من الحوار قبل أن تنسحب إسرائيل من المفاوضات لظروف تخصها، ومؤكداً أن ‏الجولان أرض سورية وليس موضعاً للتفاوض، وأن أي نقاش حول السلام الدائم يأتي ‏بعد التوصل إلى اتفاق أمني.‏
التفاوض لا يغيّر الوضع القانوني للجولان
وقال المحامي فراس حاج يحيى، مدير مركز أوروبا والمشرق للدراسات الاستراتيجية، ‏في تصريح لـ سانا: إن سوريا تستطيع البحث في ترتيبات أمنية تمنع التصعيد، كما ‏فعلت في اتفاق فض الاشتباك عام 1974، من دون أن يمس ذلك سيادتها أو حقها ‏في استعادة الجولان، موضحاً أن أي اتفاق أمني يجب أن يبقى واضحاً في حدوده ‏وألا يستخدم لإضفاء شرعية على الاحتلال أو تحويل خطوط فض الاشتباك إلى ‏حدود سيادية.‏
وأضاف حاج يحيى أن التطورات السياسية أو العسكرية قد تغير الظروف على ‏الأرض، لكنها لا تغير الوضع القانوني للجولان ولا تمنح إسرائيل سيادة عليه، مشيراً ‏إلى أن القانون الدولي لا يجيز اكتساب الأرض بالقوة، وأن القرار 497 أبطل ‏إجراءات فرض الولاية الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل.‏
تاريخ قانوني لم يتبدل
الخبير الدولي أحمد فارس التريس أشار إلى أن الجولان لم يكن موضوع معاهدة سلام ‏نهائية بين سوريا وإسرائيل، وأن اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 نظم وقف الأعمال ‏العسكرية وإنشاء منطقة عازلة ومراقبتها أممياً، من دون أن يغير الوضع السيادي ‏للجولان.‏
وأكد أن سوريا ما زالت متمسكة بالاتفاق وتطالب بالعودة إلى الخطوط التي كانت ‏قائمة قبل 8 كانون الأول 2024، لافتاً إلى أن الاحتلال لا ينشئ حقاً في السيادة، ‏وأن محاولة فرض الأمر الواقع لا تغير الوضع القانوني للأرض.‏
وتجدد الجمعية العامة للأمم المتحدة سنوياً تأكيدها أن الجولان أرض سورية محتلة، ‏وكان آخر تصويت على القرار في كانون الأول 2025، حيث ارتفع عدد الدول ‏المصوتة لصالحه إلى 123 دولة، مقارنة بـ97 دولة في عام 2024.‏
ويطالب القرار إسرائيل بالانسحاب من كامل الجولان السوري المحتل إلى خط 4 ‏حزيران 1967، ويؤكد مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، كما يجدد رفض ‏الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير طابع الجولان ووضعه القانوني، بما في ذلك ‏إقامة المستوطنات وغيرها من الأنشطة.‏
القرار السوري سيادي
وتظهر هذه المعادلة أيضاً في ملف مطار أبو الظهور العسكري، الذي استهدفته ‏إسرائيل في وقت كانت فيه دمشق تبحث ترتيبات أمنية وعسكرية مع تركيا، فيما ‏ربطت إسرائيل الضربة بمخاوف تتعلق بوجود عسكري تركي محتمل في الموقع.‏
غير أن الرد السوري وضع المسألة ضمن إطار القرار السيادي للدولة، إذ أكد الرئيس ‏الشرع أن أي وجود عسكري أجنبي أو اتفاق دفاعي على الأراضي السورية هو شأن ‏تقرره الدولة السورية عبر مؤسساتها الدستورية، وليس قراراً يفرض من الخارج.‏
وبذلك، تضع دمشق ملفات القواعد والاتفاقيات الدفاعية ضمن الإطار الذي تقول إن ‏الدولة الجديدة تعمل على ترسيخه وهو أن القرار في القضايا السيادية يعود إلى ‏المؤسسات السورية ومجلس الشعب والأطر الدستورية.‏
توصيف أمريكي أعاد الجدل
في آب الماضي، عاد الجولان إلى الخطاب الأمريكي من زاوية مختلفة، عندما قال ‏المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا والعراق توماس باراك: إن “الجولان هو أرض ‏سورية، وإن إسرائيل تحتله خلافاً لقرارات الأمم المتحدة والنظام الدولي”. ‏
لكن باراك أوضح لاحقاً أن حديثه كان توصيفاً للسياق التاريخي والقانوني للمنطقة، ‏وليس إعلاناً عن تغيير في السياسة الأمريكية، مؤكداً أن السياسة التي حددها ترامب ‏عام 2019 “لم تتغير”.‏
ولا تكمن أهمية التصريح في أنه غير الموقف الأمريكي، وإنما في أنه أعاد إلى ‏الواجهة الفارق بين توصيف قانوني دولي ثابت وبين قرار سياسي أمريكي اتخذ في ‏سياق أمني وسياسي مختلف.‏
وفي هذا الشأن أكد الخبير الدولي أحمد التريس أن الاعتراف الأمريكي الأحادي لا ‏يغير الوضع القانوني للجولان مطلقاً، لأنه يخالف القواعد الدولية الآمرة التي لا يجوز ‏لأي دولة مخالفتها، مبيناً أن المخاوف الأمنية لا تنشئ بحد ذاتها حقاً في الضم أو ‏الاستيلاء على الأراضي.‏
ويؤكد مجلس الأمن، في قراره 497 لعام 1981، أن قرار إسرائيل فرض قوانينها ‏وسلطاتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل “باطل ولاغٍ ومن دون أثر قانوني ‏دولي”، مطالباً بإلغائه