كلفة الدراسة تثقل كاهل الأسر السورية وتدفع أطفالاً إلى العمل

جهان الخلف
الثلاثاء, 22 سبتمبر - 2026

تدفع الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف التعليم عدداً من الأسر السورية إلى مواجهة صعوبات متزايدة في إبقاء أطفالها على مقاعد الدراسة، فيما يجد بعض الأطفال أنفسهم مضطرين إلى العمل للمساهمة في تأمين احتياجات أسرهم، وسط مخاوف من اتساع دائرة التسرب المدرسي.


وتشمل أعباء التعليم تكاليف الحقائب والقرطاسية والملابس والأحذية والمواصلات وغيرها من الاحتياجات الأساسية التي يصعب على كثير من الأسر تأمينها، ولا سيما العائلات التي فقدت مصادر دخلها أو تعيش في ظروف اقتصادية هشة.


ونقلت مؤسسة جولان الإعلامية شهادات لأهالٍ تحدثوا عن الصعوبات التي تواجههم مع بداية العام الدراسي، وانعكاسها على تعليم أطفالهم.


وقال محمد الأحمد، وهو أب لثمانية أطفال، بينهم سبعة في سن الدراسة، لـمؤسسة جولان الإعلامية، إنه يعاني من إصابة خلّفتها سنوات الحرب ومن صعوبة في العمل، ما جعله غير قادر على تأمين جميع احتياجات أسرته.


وأوضح الأحمد أنه كان يقيم سابقاً في مخيمات داخل تركيا، حيث كانت بعض المنظمات تقدم مساعدات تتعلق بالقرطاسية والمستلزمات المدرسية، لكنه بعد عودته إلى سوريا لم يعد يحصل على تلك المساعدات، ما دفعه إلى إرسال طفلين من أطفاله إلى سوق العمل للمساهمة في تأمين احتياجات الأسرة.


وأشار إلى أن تكلفة الحقيبة المدرسية تبدأ، بحسب الأسعار التي واجهها، من نحو 750 ليرة سورية للأنواع العادية، وقد تصل إلى 1500 ليرة أو أكثر للأنواع الأفضل، في حين تضاف إليها تكاليف القرطاسية والملابس والأحذية، وهي مبالغ يصعب عليه تأمينها في ظل وضعه المعيشي.


وأضاف الأحمد أنه يتلقى مخصصات مالية محدودة لا تكفي لتغطية احتياجات أسرته الأساسية، الأمر الذي يضعه أمام خيارات صعبة تتعلق بتعليم أطفاله.


من جهته، قال عدنان الباسم، وهو من العائدين من تركيا ويقيم في منطقة البحدلية بريف دمشق، لـمؤسسة جولان الإعلامية، إنه اضطر إلى العمل خلال العطلة الصيفية للمساعدة في تأمين مستلزماته المدرسية.


وأوضح الباسم، وهو يتيم ويعيش مع جدته ويدرس في الصف الثامن، أن أسرته لم تتمكن من الحصول على مساعدات من المنظمات بسبب عدم امتلاكها الوثائق المطلوبة، مضيفاً أن تكلفة الحقيبة والقرطاسية وصلت، بحسب ما دفعه، إلى نحو 2500 ليرة سورية، فيما بلغت تكلفة الحذاء نحو 1500 ليرة، ما اضطره إلى الاستغناء عن شراء بعض المستلزمات الأخرى.


وقال إن ما كسبه من العمل خلال الصيف لم يكن كافياً لتغطية جميع احتياجاته المدرسية، الأمر الذي جعله يواجه العام الدراسي وسط ضغوط اقتصادية كبيرة.


وفي حالة أخرى، قال عبد الكريم المحمد، وهو من محافظة دير الزور ويقيم في منطقة شبعا، لـمؤسسة جولان الإعلامية، إن ظروف النزوح المتكرر وتراجع الوضع المعيشي انعكسا على تعليم أطفاله، ودفعا بعضهم إلى العمل في سن مبكرة.


وأوضح أن ابنه محمد، البالغ من العمر تسع سنوات، يعمل في نقل المياه مقابل نحو 200 ليرة يومياً، للمساعدة في تأمين احتياجات الأسرة.


وأشار المحمد إلى أن التنقل المستمر والظروف المعيشية الصعبة أثرا أيضاً في التحصيل الدراسي للأطفال، لافتاً إلى أن بعضهم واجه مضايقات وتنمراً بسبب اختلاف أعمارهم عن أعمار زملائهم في الصفوف الدراسية، وهو ما زاد من صعوبة اندماجهم في البيئة المدرسية.


ولا تقتصر آثار هذه الظروف على الجانب المادي، إذ يمكن أن تنعكس على الحالة النفسية للأطفال وعلاقتهم بالمدرسة، خصوصاً عندما يتعرضون للتنمر أو يشعرون بالاختلاف عن أقرانهم.


وقالت مدرسة لـمؤسسة جولان الإعلامية إن بعض الأطفال القادمين من مناطق أخرى يواجهون صعوبات في الاندماج داخل البيئة المدرسية، وقد يتعرضون أحياناً للتنمر أو العنف من بعض الطلاب، إضافة إلى تحديات مرتبطة باختلاف مستوياتهم التعليمية نتيجة الانقطاع المتكرر عن الدراسة.


وأضافت أن هذه الظروف قد تدفع بعض الأسر إلى إبقاء أطفالها في المنزل، خصوصاً عندما تترافق الصعوبات التعليمية مع ضغوط اقتصادية وعدم قدرة الأسرة على تأمين مستلزمات الدراسة.


وتتطلب معالجة هذه المشكلة، وفق ما تشير إليه شهادات الأهالي والعاملين في قطاع التعليم، إجراءات تتجاوز تأمين المقاعد الدراسية، لتشمل دعم الأسر الأكثر احتياجاً وتوفير الحقائب والقرطاسية والملابس والمواصلات، إلى جانب برامج تساعد الأطفال المنقطعين عن الدراسة على العودة إلى التعليم.


كما تبرز الحاجة إلى توفير بيئة مدرسية آمنة تحد من التنمر والعنف، وتأمين كوادر تعليمية مؤهلة، ودعم الأطفال الذين تعرضوا للانقطاع المتكرر عن التعليم أو النزوح، إلى جانب الاهتمام بالأطفال من ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة.


ويشكل الحد من عمل الأطفال وإعادتهم إلى التعليم تحدياً يرتبط بالوضع الاقتصادي للأسرة بقدر ارتباطه بالقطاع التعليمي، ما يجعل توفير الدعم الاجتماعي والاقتصادي للأسر الفقيرة جزءاً أساسياً من أي معالجة لظاهرة التسرب المدرسي وعمالة الأطفال.