الشيباني يؤكد انتقال سوريا إلى شريك فاعل بالأمم المتحدة وغوتيريش يدعم مسار التعافي

الأحد, 26 يوليو - 2026
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش


2026/07/25 7:24 مساءً
 أن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني
أنطونيو غوتيريش إلى دمشق، الأولى منذ 17 عاماً، تحمل دلالات عميقة تتجاوز الأبعاد الرسمية، لتشكل إعلاناً صريحاً عن انتقال سوريا إلى موقع الشريك الفاعل في الأمم المتحدة، وتدشيناً لمرحلة جديدة قوامها التعاون الوثيق لإنجاز التعافي الوطني الشامل.
وقال الوزير الشيباني خلال مؤتمر صحفي مشترك اليوم السبت: إن غوتيريش يعرف دمشق وأهلها جيداً، فقد زارها قبل 18 عاماً بصفته مفوضاً سامياً لشؤون اللاجئين، وشهد حينها استقبال سوريا ملايين اللاجئين العراقيين وفتح أبوابها لهم.
وأضاف الوزير الشيباني: إن المفارقة التاريخية تكمن في أنه جاء آنذاك ممثلاً لقضايا اللاجئين، بينما يعود اليوم في وقت يشهد فيه السوريون واحدة من أكبر موجات العودة الطوعية في العالم، حيث عاد أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون سوري إلى ديارهم خلال الأشهر الماضية، للمساهمة في إعادة بناء مجتمعاتهم وترسيخ الاستقرار.
وأشار الوزير إلى أن برنامج الزيارة أرادوا له أن يتحدث عن نفسه، إذ بدأ غوتيريش يومه في دمشق القديمة، متجولاً في شوارعها التي تروي الكتب المقدسة أن بولس استعاد فيها بصره، كما تستعيد سوريا اليوم بصرها وبصيرتها، لتستحضر هذه الزيارة إرثاً يمتد لألفي عام من التعايش الحضاري الذي تستعيده سوريا اليوم بقوة.
بحث سبل تطوير العمل مع الأمم المتحدة
ولفت الوزير الشيباني إلى أن هذه الروح الوطنية الأصيلة هي التي تقود الحوارات العميقة والمثمرة، مشيراً إلى أنه جرى بحث سبل تطوير العمل مع الأمم المتحدة كفريق واحد ينسق جهوده من دمشق، بما يدعم مسارات إعادة الإعمار، ويعزز الاستثمار في البنية التحتية، ويسهم في إنجاح المبادرة الرئاسية “سوريا بلا مخيمات”.
وأكد الوزير الشيباني أنه في ظل الأحاديث المتزايدة على المستوى الدولي بشأن أزمة العمل متعدد الأطراف، وعجزه عن ترسيخ الأمن والاستقرار والازدهار، تبرز التجربة السورية اليوم بوصفها نموذجاً استثنائياً للنجاح.
وقال وزير الخارجية والمغتربين: إن سوريا أرست أسس تعاون غير مسبوق مع منظومة الأمم المتحدة، متجاوزة أطر التنسيق السياسي التقليدية نحو انفتاح مؤسسي شفاف على أكثر ملفات المنظومة تعقيداً، وهو ما تجسد عملياً من خلال التفاعل الإيجابي والبنّاء مع مجلس حقوق الإنسان وآلياته المستقلة، والتعاون الوثيق مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة، وصولاً إلى طي صفحات الماضي واستعادة حقوقها وامتيازاتها كدولة فاعلة في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وشدد على أن هذا النهج الشجاع يقدم للمنظومة الدولية، وللأمين العام للأمم المتحدة شخصياً، قصة نجاح تاريخية تؤكد أن التعددية قادرة على الإنجاز متى استند إلى احترام سيادة الدول والتعاون البنّاء.
وأضاف الوزير: إنه جرى بحث مسار الشراكة بين سوريا والأمم المتحدة في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، ضمن استراتيجية موحدة تقودها سوريا، يتحول فيها الدعم الدولي من الاستجابة الطارئة إلى الاستثمار في التعافي، من خلال دعم المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء وتوفير فرص العمل.
الشيباني: الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في إعادة بناء الاقتصاد السوري
واستحضر الوزير الشيباني ما كتبه، قبل أيام قليلة، وكيل الأمين العام السابق للأمم المتحدة مارتن غريفيث، محذراً المجتمع الدولي من خذلان الشعب السوري مرة أخرى، مؤكداً أن غريفيث أصاب عندما أكد أن الأولوية القصوى في المرحلة الحالية تتمثل في إعادة بناء الاقتصاد السوري، وأن الاستجابة المستدامة تكمن في الاستثمار، قائلاً: “نحن نتفق تماماً مع هذا التشخيص، ونؤكد أن نجاح هذا المسار يتطلب خطوات جريئة لإزالة العوائق المتبقية، بينما نعمل بلا كلل على تهيئة بيئة تشريعية آمنة وجاذبة للاستثمار، بما يتيح الانتقال من مرحلة الإغاثة المؤقتة إلى التنمية المستدامة”.
وفيما يتعلق بالظرف الإقليمي بالغ الدقة، في ظل التصعيد غير المسبوق والحرب الدائرة في المنطقة، أكد الوزير الشيباني أن سوريا تقدم اليوم نموذجاً للرصانة الاستراتيجية والالتزام بالسلام، مشيراً إلى أنها حصّنت سيادتها وقرارها الوطني، وركزت جهودها على تأمين حدودها المشتركة، وأن هذا الموقف المبدئي يجعل من سوريا، وهي تمضي في مسار التعافي، ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وعنصراً فاعلاً في حماية محيطها من تداعيات الصراعات العابرة للحدود.
الشيباني: لا يمكن إرساء سلام إقليمي في ظل الانتهاكات الجسيمة للسيادة الوطنية
وفي سياق حديثه عن الاستقرار، أكد الوزير الشيباني أنه لا يمكن إرساء سلام إقليمي في ظل الانتهاكات الجسيمة للسيادة الوطنية، وفي مقدمتها استمرار الأعمال العسكرية الإسرائيلية والاحتلال غير القانوني لأراضٍ سورية، وتجاوزه خط عام 1974، مثمناً التزام الأمم المتحدة بالقانون الدولي، ومجدداً المطالبة بموقف أممي حازم يدفع نحو الانسحاب الفوري وغير المشروط، مع التأكيد على دعم دور قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” في أداء مهامها كاملة من دون أي قيود.
وفي ختام كلمته، خاطب الوزير الشيباني الأمين العام للأمم المتحدة قائلاً: “السيد الأمين العام، قبل ثلاثة عشر عاماً وصفتم سوريا بأنها المأساة الكبرى لهذا القرن، وكنتم صادقين، واليوم من دمشق، ندعوكم إلى أن تشهدوا بأنفسكم كيف يكتب السوريون النقيض الكامل لتلك العبارة، إننا نرجو ونعمل لأن تصبح سوريا نموذجاً عالمياً للتعافي بعد النزاعات، وندعو العالم من خلالكم، إلى الاستثمار في هذا النجاح، لقد عادت سوريا، وعاد معها النجاح والاستقرار”.
غوتيريش: السوريون تحملوا سنوات طويلة من المعاناة والصعوبات
بدوره، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن زيارته لدمشق تحمل أهمية خاصة على أكثر من صعيد، مشيراً إلى أنه قبل توليه منصب الأمين العام، عمل لسنوات مفوضاً سامياً لشؤون اللاجئين، وكان على تماس مباشر مع السوريين، حيث شهد معاناة الفارين من النزاعات والاضطهاد، والتقى أسرهم في المدارس والمخيمات وهم يسعون إلى العيش بكرامة.
وقال غوتيريش: إنه التقى في مراحل مختلفة سوريين استضافوا اللاجئين العراقيين، ثم التقى لاحقاً سوريين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بحثاً عن الأمن والسلام، وكانوا يسعون إلى العمل وبناء حياتهم والاندماج في المجتمعات التي استقبلتهم.
وأضاف غوتيريش: إن هذه الذكريات بقيت راسخة لديه، وأنه من المهم جداً بالنسبة له أن يكون موجوداً في سوريا اليوم، وأوضح أنه اتخذ قراراً واعياً بعدم زيارة سوريا منذ بداية الاضطهاد الوحشي الذي تعرض له الشعب السوري عام 2011 حتى سقوط النظام البائد، مشيراً إلى أن السوريين تحملوا سنوات طويلة من المعاناة والصعوبات، لكنهم لم يفقدوا ما يميزهم من مرونة وصمود وابتكار وإبداع وشعور عميق بالانتماء.
وتابع غوتيريش: إن سوريا تتيح اليوم فرصاً للجميع وآفاقاً لمستقبل أفضل وأكثر ازدهاراً لجميع السوريين، مشيراً إلى أن تحقيق ذلك يتطلب قيادة ورؤية وثقة، وقبل كل شيء أن يجد كل سوري نفسه في مستقبل هذا البلد، وأن مسؤولية دفع سوريا إلى الأمام وبناء المؤسسات التي تخدم الأجيال القادمة تقع على عاتق السوريين أنفسهم.
غوتيريش: سوريا تمثل اليوم عموداً للاستقرار في المنطقة
وأكد غوتيريش أنه لا توجد دولة تخرج من نزاع شديد قادرة على إعادة بناء نفسها بمفردها، مشدداً على ضرورة مساعدة سوريا في مسار التعافي، ومؤكداً أن سوريا تمر بمرحلة تعافٍ، وهي في الوقت ذاته مرحلة تحمل فرصاً للاستثمار، وهي تمثل اليوم عموداً للاستقرار في المنطقة، وأن المطلوب هو تهيئة الظروف اللازمة لتعزيز الاستقرار المستقبلي، وإعادة بناء البنية التحتية، وتوسيع فرص سبل العيش والاستثمار، بما يدعم العودة الكريمة والطوعية للاجئين السوريين.
وأشار غوتيريش إلى أن مؤسسات التمويل الدولية تضطلع بدور مهم في مساعدة سوريا على استعادة ارتباطها بالفرص الاستثمارية الإقليمية والدولية، مؤكداً أن المرحلة الحالية هي مرحلة للاستثمار والتضامن، وأن دور الأمم المتحدة يتمثل في مرافقة ودعم المسار السوري.
وشدد غوتيريش على أن الأمم المتحدة لا تملك أجندة خاصة في سوريا، قائلاً: إن أجندتها هي أجندة الحكومة السورية والشعب السوري، مؤكداً تركيز المنظمة على أهمية الاستقلال والسيادة السورية وسلامة أراضيها.
كما شدد على أن أي انتهاك للأراضي السورية أمر غير مقبول ويجب أن يتوقف، وأن ما يجري في المنطقة المحيطة بالجولان غير مقبول نهائياً، مذكّراً المجتمع الدولي بأن الجولان أراضٍ سورية، فضلاً عن أن هذه الانتهاكات تمثل خرقاً لاتفاقية فض الاشتباك، وهي انتهاكات بالغة الجدية والخطورة.
الرد على أسئلة الصحفيين
ورداً على أسئلة الصحفيين، أوضح الشيباني أن محور النقاشات التي جرت اليوم خلال لقاء الأمين العام للأمم المتحدة مع الرئيس أحمد الشرع وعدد من الوزراء، تركز حول إعداد ورقة واتفاقية لخطة تعافٍ مشتركة بين الأمم المتحدة والأولويات السورية، من المتوقع توقيعها خلال الأشهر المقبلة، موضحاً أن هناك انفتاحاً لمسَهُ من الأمين العام على توجيه جهود جميع وكالات الأمم المتحدة العاملة في سوريا نحو دعم البلاد خلال هذه المرحلة، وصولاً إلى مرحلة إعادة الإعمار.
ورداً على سؤال حول ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة، قال الشيباني: إن بلاده تتطلع إلى دور داعم من الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة اتخذ موقفاً تاريخياً عندما رفض الاصطفاف إلى جانب النظام البائد أو منحه الشرعية، وهو أمر سيبقى، بحسب قوله، جزءاً من إرثه الشخصي في ذاكرة السوريين.
وأضاف: إن سوريا تحتاج اليوم إلى دعم المجتمع الدولي بأسره، وليس الأمم المتحدة فقط، بما يشمل الدول والاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن من يرغب في رؤية نموذج ناجح في المرحلة المقبلة عليه الوقوف إلى جانب سوريا، ولافتاً إلى أن من قصّر في الماضي أو خذل الشعب السوري أمامه فرصة للمساهمة في المرحلة الحالية التي يعمل فيها السوريون على إعادة بناء بلدهم