على مدى عقود، اعتمد النظام البائد منظومة من القوانين الاستثنائية والإجراءات الأمنية التي كرست نهج الاستبداد، ومنحت الأجهزة الأمنية صلاحيات واسعة في التوقيف والاعتقال خارج الضمانات القانونية والقضائية.
ومع اندلاع الثورة السورية، شدد النظام من قبضته الأمنية، واتسعت حملات الاعتقال لتطال آلاف السوريين، وتعرض كثير منهم للإخفاء القسري من دون إبلاغ ذويهم بمصيرهم أو أماكن احتجازهم.
ولسنوات ظلت آلاف العائلات تبحث عن أي معلومة تقود إلى أبنائها المفقودين، قبل أن يفاجأ عدد منها بتسجيلهم كمتوفين في سجلات الأحوال المدنية من دون إخطار مسبق، أو تسليم الجثامين، أو الكشف عن ظروف الوفاة وأماكن الدفن، وهو ما جعل هذا الملف أحد أبرز القضايا المرتبطة بكشف الحقيقة وتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا.
تسجيل المختفين كمتوفين
وفي تصريح لـ سانا اليوم الجمعة أكدت مديرة قسم المعتقلين والمختفين والباحثة في الشبكة السورية لحقوق الإنسان نور عبد الغني عربو، أن تسجيل المختفين قسرياً كمتوفين في السجل المدني، من دون الكشف عن ظروف وفاتهم أو أماكن دفنهم أو تسليم جثامينهم إلى ذويهم، شكّل أحد أخطر الانتهاكات المرتبطة بجريمة الإخفاء القسري التي ارتكبها النظام البائد، مبينةً أن هذا الإجراء استهدف إغلاق الملف إدارياً، من دون كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
وأوضحت عربو أن هذه الممارسة ظهرت إلى العلن عام 2018، عندما اكتشفت مئات العائلات، أثناء مراجعتها دوائر السجل المدني، تسجيل أبنائها وبناتها المختفين قسرياً كمتوفين من دون أي إخطار رسمي، لافتة إلى أن العائلات لم تبلَّغ بالوفاة، ولم تسلَّم إليها الجثامين، كما لم تكشف أسباب الوفاة أو أماكن الدفن، ما شكل صدمة نفسية عميقة لعائلات كانت لا تزال تأمل بعودة أبنائها.
1609 حالات موثقة بينهم نساء وأطفال
أكدت عربو أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت حتى نهاية عام 2022، تسجيل ما لا يقل عن 1609 مختفين قسرياً كمتوفين في السجل المدني، استناداً إلى شهادات وفاة رسمية من بينهم أطفال ونساء، مشيرة إلى أن هذا الرقم يمثل الحد الأدنى للحالات التي أمكن توثيقها، مرجحة أن يكون العدد الحقيقي أكبر من ذلك، إلا أن الشبكة تعتمد منهجية صارمة تقوم على توثيق كل حالة استناداً إلى شهادة وفاة رسمية، ولا تعتمد على التقديرات.
ولفتت إلى أن معظم شهادات الوفاة لم تتضمن معلومات دقيقة عن أسباب الوفاة، فيما أظهرت بعض الوثائق أن الوفاة سجلت في مراكز احتجاز أو مستشفيات عسكرية، معتبرة أن ذلك يعزز الأدلة التي وثقتها الشبكة بشأن وقوع وفيات داخل أماكن الاحتجاز نتيجة التعذيب أو الإعدام خارج نطاق القضاء.
اعترافات جديدة تعزز الأدلة على الانتهاكات
نشرت وزارة العدل في الـ 15 من شهر حزيران الماضي مقطع فيديو أظهر اعترافات عدد من الموقوفين من الأطباء الضباط خلال حكم النظام البائد، حول عمليات سرقة الأعضاء والتصفية التي كانت تتم في مشفى تشرين العسكري، ما يمثل جريمة بشعة ومكتملة الأركان ضد الإنسانية والأخلاق، بأوامر من رأس النظام البائد المجرم “بشار حافظ الأسد”.
تسجيل الوفاة لا يكشف الحقيقة
وأوضحت عربو أن تسجيل الوفاة في السجل المدني لا يعني كشف مصير المختفين قسرياً، لأن الحق في معرفة الحقيقة لا يتحقق بمجرد تسجيل الوفاة، مبينة أن هذا الحق يقتضي الكشف عن ظروف الوفاة وتاريخها ومكانها، وتسليم الرفات إلى ذوي الضحايا، وإجراء تحقيقات مستقلة تحدد المسؤولين عن الانتهاكات وتضمن مساءلتهم.
السجلات المدنية… وثائق داعمة للتحقيقات
أشارت نور عربو إلى أن السجلات المدنية تمثل اليوم وثائق رسمية وأدلة مهمة يمكن أن تسهم في دعم التحقيقات المتعلقة بالمختفين قسرياً، لكنها لا تنهي بحد ذاتها ملف الإخفاء القسري، في ظل استمرار جهل آلاف العائلات بمصير ذويها وظروف وفاتهم وأماكن دفنهم.
وأكدت عربو أن النظام البائد لم يلتزم بالأصول القانونية لتسجيل الوفيات داخل مراكز الاحتجاز، مشيرة إلى أنه كان يتعين وفق أحكام قانون الأحوال المدنية، تنظيم واقعة الوفاة وإحالتها إلى أمين السجل المدني ضمن الإجراءات القانونية، إلا أن ذلك لم يحدث، كما لم تُفتح تحقيقات لتحديد أسباب الوفاة أو المسؤولين عنها، ولم يُبلغ ذوو الضحايا بالوفاة أو تُسلَّم إليهم الجثامين أو يكشف لهم عن أماكن الدفن.
ولفتت إلى أن هذه الممارسات شكلت امتداداً لسلسلة من الانتهاكات، بدأت بالإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي، وترافقت مع التعذيب وسوء أوضاع الاحتجاز، وانتهت بحرمان العائلات من حقها في معرفة الحقيقة، معتبرة أن استخدام مؤسسات الدولة وسجلاتها الرسمية لإخفاء مصير الضحايا يعكس نهجاً منظماً في توظيف مؤسسات الدولة لإخفاء آثار الانتهاكات.
الإخفاء القسري جريمة مستمرة وفق القانون الدولي
بينت نور عربو أن جريمة الإخفاء القسري وفق القانون الدولي، تبقى مستمرة ما دام مصير الشخص أو مكان وجوده مجهولين، مضيفة: إن تسجيل الوفاة من دون كشف الحقيقة أو إعادة الرفات إلى ذوي الضحايا لا يغيّر الوصف القانوني للجريمة، ولا يسقط المسؤولية عنها.
وأشارت مديرة قسم المعتقلين والمختفين إلى أن الاختفاء القسري محظور بموجب القانون الدولي الإنساني، الذي يلزم أطراف النزاع بالبحث عن المفقودين وإبلاغ ذويهم بمصيرهم، كما أن ارتكابه بصورة واسعة أو منهجية يعد جريمة ضد الإنسانية وفق النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كشف الحقيقة ركيزة للعدالة الانتقالية
شددت نور عربو على أن الحفاظ على السجلات الرسمية وإتاحتها للجهات القضائية والهيئات الوطنية المختصة، إلى جانب الكشف عن المقابر وأماكن الدفن، وتمكين العائلات من معرفة الحقيقة واستعادة رفات ذويها، يمثل ركائز أساسية لإنجاح مسار العدالة الانتقالية، وتعزيز المساءلة، وإنصاف الضحايا، وضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات.
بعد تحرير سوريا من النظام البائد، كثفت الدولة جهودها لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة التي خلفها، عبر إطلاق مسار وطني للعدالة الانتقالية يهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومساءلة المسؤولين، وترسيخ سيادة القانون.
وفي هذا الإطار، أحدثت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، لتنسيق الجهود الوطنية الرامية إلى كشف مصير المفقودين والمختفين قسراً، وتوثيق الانتهاكات، وتعزيز المساءلة، وجبر الضرر.