"صيدنايا مدونة سجون الأسد" لماجد كيالي

الثلاثاء, 12 مايو - 2026
مدونة سجون الاسد
مدونة سجون الاسد

عن عالم صيدنايا وغيره من السجون السورية في كتاب بعنوان «صيدنايا.. من مدونة سجون الأسد»، أعدّه وقدّم له الكاتب السياسي ماجد كيالي، وصدر في 350 صفحة من القطع المتوسط، عن دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق 2026.

يستشهد ماجد كيالي في مقدمته بعبارات برهان غليون واصفاً سجون الأسد، فيقول.. «إنها لا تشبه معتقل الغولاغ في الحقبة السوفييتية، ولا غوانتانامو الأمريكي، ولا أبو غريب في العراق، إذ كانت وظيفة تلك المعتقلات إخراج المعتقلين من عالم السياسة والمجتمع، وكسر معنوياتهم وتركهم يهلكون فيها، أما معسكرات الاعتقال السورية فلا تدخل في أي من هذه التصنيفات، فهي أشبه بمعسكرات الاعتقال النازية، التي لم تُصمم لحجز المعارضين وتحييدهم، ولكنها أقيمت لإبادة جماعات قومية ودينية».

فالسجن السوري بمعناه الأشمل هو نمط حياة ونمط نظام ونمط عذاب، وهو جزء من تاريخ سوريا، حاول بعض السوريين ممن اختبروا تلك التجربة كتابته..

يبدأ الكتاب بشهادة أميرة حويجة، المنتمية وقتها إلى حزب العمل الشيوعي، التي دخلت إلى سجن (دوما) في 2/12/1987. تقول «مع الوقت وصلنا إلى الخوف من إبداء الرأي في الأمور المهمة والحساسة، لجأنا إلى تنظيم سرّي داخل الأسوار، ليحتضنا مجتمع متهالك بنانه بأيدينا تعبيراً آخر عن فشلنا في إجراء التغيير اللازم على أنفسنا… قضينا وقتاً طويلاً في مناقشة التافه، نقاش الأمور التافهة يستطيعه كل البشر، ليس عيباً أن تدخل فيه، ولكن عندما يمشي بنا وقبلنا ويُحيط بنا، سيأخذنا بعيداً عن أنفسنا، عن إنجازنا لقضايا مهمة أعتقدنا أننا نذرنا أنفسنا لها». كذلك تلفت حويجة النظر إلى طبيعة نظرة الأسر السورية العربية بشكل عام للمعتقلين من الأبناء.. «يقدّرون بطولة الشاب عند اعتقاله، فيكون سجنه فخرا لهم أحياناً… ويعيبهم اعتقال البنت مهما كانت ثقتهم بها، لا يعرفون كيف يدافعون عنها. كما أنها لا تعرف كيف تطالب بحقوقها لدفن بعض الآلام التي تحيط بها». خرجت حويجة من السجن في 26/11/ 1991. وهي الآن ناشطة في تجمّع نساء سوريا من أجل الديمقراطية.

ولا تختلف هذه الشهادة عن شهادة الكاتبة حسيبة عبد الرحمن، التي أمضت 8 سنوات في السجن، عبر عدة اعتقالات، والتي تناولت بعض تفاصيل التعذيب، سواء بالضرب أو الكهرباء. إضافة إلى الفنانة التشكيلية (عزة أبو ربعيّة)، التي أمضت في سجن (عدرا) فترتي اعتقال بعد الثورة السورية، أولهما في 2012، ثم في 2015، تركت على إثرها البلاد، وعادت بعد سقوط نظام الأسد، قائلة.. «سقط النظام، وقدرت أرجع، والثورة مكملة، ويلعن روح الأسد».

قضى الكاتب والإعلامي أنور بدر مدة اعتقال بلغت 12 عاما، منها 10 سنوات في صيديانا. كان ينتمي إلى حزب العمل الشيوعي، ووصف في شهادته تفصيلاً للسجن وطبيعة المعتقلين، سواء من اليسار أو من الإسلاميين، وكذا الأنشطة المعهودة ودورات التثقيف. ويُشير إلى أن سجن (تدمر) أصعب بكثير من سجن (صيدنايا)، وأن الأخير نُسجت حوله الأساطير المرعبة.

يناقش أنور بدر قضايا شائكة وبعقل رحب، أهمها وجهة نظره في (السجّان) نفسه، من دون الاكتفاء بحديثه عن المساجين كعادة مثل هذه الشهادات. فيُفرّق بين السجان كوظيفة وكإنسان بما يحمله من قيم وأخلاق وما يعكسه من سلوك، ويستشهد بانفجار لغم أرضي في أحد جنود الحراسة الذي لم يتجاوز العشرين، ومدى مساعدة بعض الجنود في نقل الرسائل إلى المعتقلين، حتى إن أحدهم انكشف أمره وكاد أن يُحاكَم عسكرياً، لولا تدخل مدير السجن نفسه، فأنقذه من مصير محتوم. فالجندي المصاب يراه أنور بدر سجاناً بالمعنى الوظيفي، من دون أن يكون له خيار في ذلك «فالدولة هي التي وضعته سجاناً علينا». أما حالة مدير السجن فالحكم هنا يتوقف على عامل الأخلاق الشخصية، ومدى امتلاك الحد الأدنى من الأخلاق الذي يمنع صاحبه من الشطط وإساءة استخدام السُلطة. ومن وجهة النظر هذه يمضي بدر لمناقشة مسألة أعمق وأصعب من خلال التساؤل.. هل يصح إدانة كل هؤلاء السوريين فقط لأنهم لم يجدوا طريقاً أو أسلوباً للحياة خارج إطار الوظيفة التي تحتكرها سُلطة الدولة؟

«من البدهي في نظرنا إلى واقع الممارسات الأمنية والسلطوية في سوريا أن نلحظ امتداد سطوتها من المتهم، أو المعتقل وحياته الشخصية، إلى فضائه الاجتماعي الأوسع، والذي يضم إلى ذويه جملة أقاربه ومعارفه وأصدقائه، وصولاً إلى الجيران في السكن والعمل والجامعة، الأمر يجعل المجتمع السوري برمّته رهن الاعتقال أو رهينة الخوف المستمر من تهمة ما، قد تفضي به للغياب خلف الشمس لسنوات عسير إحصاؤها».

من هنا ينطلق الكاتب والناشط السياسي محمد برّو في شهادته عن الأحوال بعد السجن، كيف تحتمل الزوجات هذه الغيبة، وكيف يقمن بمهام الزوج وإعالة الأسرة، وكذا كيف تستقيم حياتهن، ومحاولة العيش مع كائن جديد خرج لتوّه من الجحيم؟ فالنظر هنا إلى مَن هم خارج السجن، وكيف يراهم الآخرون، فأهل المعتقل دوماً ما يعانون نظرات الاتهام، وخشية الاقتراب منهم، فهم مدانون بالتبعية، وصولاً إلى التعامل معهم بفظاظة كمظلة أمان موهومة للآخرين. يصوّر برّو هذا المجتمع الخانق ويستشهد بحال مخلوقات (1984) لجورج أورويل.

من ناحية أخرى يُفرّق بين الذين اعتقلوا في مقتبل العُمر، وخرجوا بعد أن تجاوزا الأربعين، لتستقبلهم أُسرهم وكأنهم لم يغادورا سن الشباب بعد، أو وقت لحظة القبض عليهم، وقد تجمّد زمن هذه الأسرة، أو تلك عند هذه اللحظة. ثم الذين دخلوا المعتقل وهم متزوجون، وخرجوا في منتصف الأربعين أو الخمسين، هنا يحاولون استعادة أدوارهم كأزواج وآباء، ولكن كيف وقد تشكّلت الحياة واستقرت من دونهم! حتى إن حالات كثيرة وبعد كل هذا الانتظار انتهت بالانفصال بين الرجل وزوجته. فالأمر في الأخير يدور بين ضحايا يستقبلون عودة ضحايا، يعجزون عن إلقاء اللائمة على الجاني الأصلي (النظام المستبد) فيوجهون سهامهم تجاه بعضهم بعضا.

ويُشير برّو إلى نقطة مهمة جداً ـ ستصبح مأخذا على الشهادات إن لم تُذكر ــ في أن هؤلاء الضحايا الذين يتحدث عنهم لن نجدهم في المنتديات والمقاهي ودور السينما ولا المراكز الثقافية، أو الاعتصامات، أو حتى نلمح توقيعاتهم على البيانات، وصولاً إلى عدم الوجود على صفحات التواصل الاجتماعي، وإن وجدوا فمنذ زمن، والصفحة خالية إلا من تهنئة أعياد الميلاد أو صورة مع طفل أو طفلة من أطفاله، وقتما كانوا أطفالا. هذي حال آلاف الضحايا الذين لم يلتفت إليهم أحد، ولم يتلقوا أدنى مساعدة من أحد. بمعنى أنهم الأغلبية بين الشهيرات والشهيرين المُسلطة عليهم وسائل الإعلام، والذين يعرفون جيداً كيفة التعامل معها، ويتصدرون واجهة الضحايا، ورغم ما خاضوه وعانوه في غياهب المعتقلات، إلا أن الأمر بعد خروجهم أصبح مُتاجرة بآلامهم وآلام الآخرين، بحيث يتحولون في النهاية إلى مجرد سلعة تحت إمرة العرض والطلب.

هذه بعض الشهادات التي ضمها الكتاب، والتي تثير بعض النقاط والقضايا المهمة بعيداً عن اعتيادية مثل هذه الكتابات. ونرجو أن يصدر عمل آخر يحاول أن يضم شهادات لمعتقلين ومعتقلات لم يُسلط عليهم الضوء، ومن فئات اجتماعية مختلفة، غاب صوتها داخل المعتقل وخارجه، أصوات لا تحتمل بلاغة أو تأويل، حتى تكتمل الصورة وتكون للصدق أقرب وأقرب.