كواليس "ميثاق كوباني": "لوبوان" تكشف عزلة باريس وخفايا "صدمة الإليزيه" أمام سيادة دمشق

مبساء الشيخ حسين
الأربعاء, 28 يناير - 2026

أحدث التقرير المطول الذي نشرته مجلة "لوبوان" (Le Point) الفرنسية اليوم، تحت وسم "سري للغاية"، هزة في الأوساط الدبلوماسية، حيث كشف عن حجم الفجوة بين الطموحات الفرنسية والواقع السوري الجديد. التقرير الذي أعده الصحفي "رومان غوبرت" يتجاوز كونه تغطية ميدانية، ليصبح وثيقة اعتراف بعجز باريس عن الاستمرار في حماية المشاريع الانفصالية في الشمال السوري أمام إصرار الدولة السورية على بسط سيادتها كاملة، وسط تبدل دراماتيكي في الولاءات والمصالح الإقليمية والدولية.


 قراءة في تقرير "لوبوان": كواليس الانكسار وأوهام الحماية 


يستعرض التقرير مفاصل غير مسبوقة في العلاقة بين باريس ودمشق، مبرزاً تفاصيل تقنية وسياسية بقيت طي الكتمان حتى صدور هذا التحقيق:


1. إهانة "الاتصال الضائع": دمشق ترفض الوصاية

أبرز ما جاء في الكواليس هو الوصف الدقيق للحالة النفسية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي "اشتعل غضباً" بعد أن تُرك في حالة انتظار مهينة على الهاتف. التقرير يكشف أن ماكرون كان يخطط لفرض "اتصال ثلاثي" يجمعه بالرئيس احمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، بهدف انتزاع اعتراف ضمني بـ"قسد" كطرف مفاوض. لكن صمت الهاتف في دمشق كان رداً سيادياً قاطعاً، مفاده أن الدولة السورية لا تتفاوض مع مواطنيها عبر وسطاء دوليين، ولا تقبل بفرض "أجسام موازية" على طاولة القرار الوطني.


2. المساعدة الاستخباراتية: "عضلات" بلا مفعول

كشف التقرير عن حجم الانخراط الأمني الفرنسي؛ حيث وُضعت قدرات "المديرية العامة للأمن الخارجي" (DGSE) و"الاستخبارات العسكرية" (DRM) في خدمة القوات الكردية، مع رفع الجاهزية في قواعد إقليم كردستان العراق. ومع ذلك، يقر التقرير بمرارة أن هذا الاستنفار ظل "متواضعاً" وتأثيره محدوداً، لأن باريس تدرك أن زمن التدخل العسكري المباشر قد ولى، وأن أي مواجهة مع الجيش السوري وحلفائه ستكون تكلفتها السياسية والميدانية أكبر من قدرة الإليزيه على الاحتمال.


3. "كماشة" المال الإقليمي: عزل فرنسا دولياً

يسلط المقال ضوءاً غير مألوف على دور "المال القطري والتركي" في إعادة صياغة الموقف الأمريكي. و يشير التقرير بوضوح إلى أن واشنطن مالت لتأييد توجهات دمشق الجديدة بفعل ضغوط ومصالح اقتصادية إقليمية، مما ترك فرنسا "وحيدة" في خندق الدفاع عن حلفائها الأكراد (قسد). هذا العزل الدولي لباريس جعل من "ميثاق كوباني" مجرد حبر على ورق أمام واقع "السيادة الوطنية السورية".


4. الانقسام الداخلي: صراع "الأمن" و"السياسة"

يفضح التقرير شرخاً في المؤسسات الفرنسية نفسها؛ فبينما يصر قادة المخابرات والجيش على الوفاء لـ"إخوة السلاح" (قسد) بناءً على تجربة محاربة داعش، يضغط الساسة الفرنسيون باتجاه "الواقعية السياسية". هؤلاء الساسة يرون أن الدولة السورية استعادت زمام المبادرة، وأن احتواء المكون الكردي كمواطنين سوريين داخل مؤسسات الدولة هو المخرج الوحيد المتبقي، بدلاً من التمسك بمشاريع انفصالية ولدت ميتة.


إن ما كشفته "لوبوان" اليوم يثبت أن بسط السيادة السورية ليس مجرد عملية عسكرية، بل هو معركة ديبلوماسيّة خاضتها دمشق بنجاح لانتزاع قرارها من الوصاية الدولية. إن فوز الدولة السورية في "معركة السيادة" يفتح الباب أمام السوريين الأكراد ليدركوا أن الأمان الحقيقي يكمن في "المواطنة" لا في "التحالفات العابرة"، وأن الطريق إلى دمشق أقصر بكثير من الطريق إلى باريس التي اعترفت صحافتها اليوم بعجزها عن تقديم أكثر من "المراقبة عن بعد".