"الانتخابات الأخيرة": صرخة المثقفين ضد "الديمقراطية الزاحفة" في إسرائيل

ميساء شيخ حسين
الاثنين, 5 يناير - 2026

ينما تنشغل الساحة السياسية الإسرائيلية بالاستعداد لانتخابات الكنيست القادمة، يرتفع صوت تيار فكري وإعلامي يحذر من أن هذه الجولة قد لا تكون مجرد منافسة سياسية تقليدية، بل قد تكون "الجنازة الرسمية" للديمقراطية بصيغتها الليبرالية التي عُرفت بها منذ عقود. هذا التيار، الذي تمثله صحفيون ومثقفون اسرائيليون مثل الكاتبة في هاآرتس إيريس ليئال ، يرى أن إسرائيل تقف على حافة تحول بنيوي نحو نظام استبدادي يستخدم صناديق الاقتراع لتشريع بقائه الدائم.


1. فلسفة التيار: الديمقراطية كقشرة خارجية

ينطلق هذا التيار من فرضية أن الحكومة الحالية لم تعد تخشى "عقاب الناخب". وبدلاً من كسب القلوب عبر السياسات الناجحة، تسعى لتغيير "قواعد اللعبة". يرى هؤلاء المحللون أن السلطة الحالية تستخدم نموذج "الديمقراطية غير الليبرالية" (على غرار هنغاريا وتركيا)، حيث تُجرى الانتخابات شكلياً، لكن مع سيطرة كاملة على الإعلام، القضاء، ولجان الانتخابات، مما يجعل فوز المعارضة أمراً مستحيلاً عملياً.


2. المخاوف الثلاثة الكبرى التي تغذي هذا النهج

_ تقويض الرقابة القضائية: يرى الكتاب أن محاولات إضعاف المحكمة العليا ليست مجرد "إصلاح"، بل هي إزالة للعائق الوحيد الذي يمنع الحكومة من اتخاذ قرارات تعسفية أو إلغاء نتائج انتخابات لا تعجبها.

_ عسكرة الخطاب القومي: الخوف من استخدام حالة "الحرب الدائمة" (بعد أحداث أكتوبر وما تبعها) كذريعة لتأجيل الانتخابات أو تصنيف أي معارضة سياسية كـ "خيانة" أو "طابور سادس".

 تفكيك الإعلام المستقل: السعي المستمر لتجفيف منابع تمويل _الصحف الناقدة (مثل مقاطعة صحيفة هآرتس حكومياً) يدفع الصحفيين للاعتقاد بأن القادم هو "إعلام الصوت الواحد".


3. أصوات من داخل التيار: أمثلة ونماذج

لا تقف إيريس ليئال وحدها في هذا الميدان، بل يشاركها أسماء ثقيلة في عالم الصحافة الإسرائيلية:

 - يوسي فيرتر (محلل هآرتس السياسي): يُعتبر من أشرس المدافعين عن هذه الرؤية، حيث كتب مراراً أن نتنياهو يقود "انقلاباً هادئاً" يهدف لضمان بقائه في السلطة لتجنب محاكمته الجنائية، واصفاً سلوك الحكومة بأنه سلوك "أنظمة لا تخطط للمغادرة أبداً".

 - غيديون ليفي: رغم تركيزه التاريخي على القضية الفلسطينية، إلا أنه بدأ مؤخراً في التحذير من أن "الاحتلال الذي مارسته إسرائيل في الخارج عاد ليلتهم ديمقراطيتها في الداخل"، معتبراً أن فقدان الحريات الصحفية هو المسمار الأخير في نعش الدولة الليبرالية.

 - عاموس شوكين (ناشر هآرتس): الذي واجه حملة حكومية شعواء بعد دعواته لفرض عقوبات دولية على الحكومة، يمثل صوتاً يرى أن النظام الحالي "فقد شرعيته الديمقراطية" وأصبح يتصرف كـ "نظام أبارتايد" داخلي وخارجي 


 هل هي مبالغة أم نبوءة؟

يرى منتقدو هذا التيار أن هؤلاء الكتاب يبالغون بسبب "مرارة الهزيمة السياسية". لكن بالنسبة لـ "إيريس ليئال" ورفاقها، فإن الاستخفاف بالرأي العام والتشريعات التي تستهدف تقييد حريات التعبير هي أدلة دامغة على أن "المنعطف الحاسم" قد بدأ فعلاً، وأن الانتخابات القادمة قد تكون الصرخة الأخيرة قبل صمت ديمقراطي طويل.

 إن الدفاع عن الديمقراطية يبدأ بالاعتراف بمدى هشاشتها، وما يكتبه هؤلاء ليس مجرد مقالات رأي، بل هي "صافرات إنذار" في وجه مجتمع يبدو غارقاً في صراعاته الأمنية على حساب حرياته السياسية