يقال أن كعود بن بعير كان يجوب البوادي في قافلة مع أمه راحلة، سأل أمه يوما مستغربا: لماذا يا أماه نمشي وراء الحمار الذي يضعونه دائما على رؤوس القوافل؟ نظرت الأم إلى ابنها والخوف بعينيها تتأمل وجه كعود المقلوب. قالت يا ولدي لا تسأل، فالظلم علينا هو المكتوب. إياك ثم إياك أن تجهر بما تسأل، والله ليضربوننك ضرب غرائب الإبل، ويحزموننك حزم السلمة، وليقطعن عنقك، ويلسخن جلدك، ويأكلن لحمك نيئا، وسيصنعون من عظامك امشاطا، ومن جلدك بساطيل للعسكر، إن القائمين علينا، لا يؤمن لهم جانب، وفي ظلمهم غرائب وعجائب، وما أتانا ليس بمردود عنا، فما أحسن الشكر للمنعم، والتسليم للقادر. والحمار هو لصاحب القافلة ويفعل ما يؤمر به، كما نفعل نحن. لم يقتنع كعود بكلام الأم راحلة، قال: أنظري يا أماه نحن بني إبل نخدم رعياننا في أشد أوقات الهجير والظمأ، نقطع الصحارى، والفيافي، والوديان دون ماء أو كلأ، حاملين بضاعتهم، ومتاعهم، وأثقالهم بما يقصم ظهورنا، حتى أنهم ضربوا فينا الأمثال على تحمل الأحمال فيقولون: الشعرة التي قصمت ظهر البعير لشدة ما يضعون على ظهورنا من متاع، وإذا تخلف بعير عن خدمتهم ساموه سوء العذاب، ويفضلون الحمار علينا ويضعونه على رؤوسنا، وهو لا في العير ولا في النفير. قالت الأم: الحمار يا ولدي لا يثور مثلك ولا يتساءل، يرضى بعيشه، وبالشعير، وهذه هي صفة الحمير.
جمع كعود أترابا له وعرض عليهم بما يفكر، قالوا: نحن معك أشعلها وتوكل. ثارت جموع الإبل في البوادي، وطالبت برفع الظلم عنها، واعتاقها تعيش بحرية، فتوقفت القوافل، واختبأت الحمير، وقام المسيطرون بحشد كل القوى، وجمعوا كل ما يملكون عن عدة وعتاد، وأصفاد وأوتاد، ورباط الخيل، وهجموا في سواد ليل، فقتلوا آلافا مؤلفة، وحجزوا ما استطاعوا حجزه، وهرب من هرب إلى بواد بعيدة. فصارت جلودهم أحذية وبساطيل، وعظامهم أمشاطا، ولم يبق منهم سوى ذكراهم يتداولها بنو بعير همسا، وبقيت الحمير تمشي على رؤوس القوافل.