يكفي حافظ الأسد فخراً أنه يخيف السوريين وهم على بعد آلاف الكيلومترات

حافظ الاسد
حافظ الاسد


كان الدكتور (ع ح س) يعمل بلا كلل ولا ملل لكي يعيل عائلته ووالديه وعائلة أخيه الذي توفي في عز شبابه، تاركاً زوجة وأربعة أولاد. فبالإضافة إلى عمله الأساسي في كلية الهندسة الميكانيكية، كان لا يرفض أي طلب من مؤسسة حكومية أو قطاع خاص لدراسة مشروع يتعلق باختصاصه.

كانت لديه فرص متنوعة وكثيرة لتحسين دخله دون مشقة، لكنه لم يكن يقبل أي عرض أو تلميح بمثل هذه الأمور.

في النصف الثاني من سنة 1990 اتصل بي يخبرني بأن الجامعة قررت إيفاده إلى الاتحاد السوفييتي لنيل "درجة الأستاذية" (بروفيسور). وأنه سيجري "البحث العلمي" في كييف. واتفقنا على أن يتصل بي مرة أخرى لكي يُعلمني بوقت وصوله إلى موسكو.

أشير هنا إلى أن الرحلات الجوية من وإلى أي مكان في الاتحاد السوفياتي السابق، كانت تتم عبر

موسكو. ولهذا كان عليه أن يأتي إلى موسكو، ومنها يسافر إلى كييف إما جواً أو براً.

عندما كنا في البيت، كان يتحدث بنوع الأريحية عن الأوضاع المزرية، التي وصلت إليها البلاد في ظل النظام الطائفي.

في اليوم التالي، ذهبنا إلى مكتب شركة الطيران، حيث حجز إلى كييف، ثم رحنا نتجول في مركز المدينة. تناولنا الغداء في أحد المطاعم، وعندما هممت بالدفع (باعتباره ضيفي)، منعني بإصرار، موضحاً أنه "انتقل من فئة محدودي الدخل إلى فئة الأثرياء" بعد أن استلم سلفة من التعويضات الدراسية الهائلة – حسب قوله. وبعد أن خرجنا قرأ لي بِمَرَحٍ بادٍ أبيات شعر في مدح المال، منها:

إن الدراهم في المـواطن كلهــا تكسـو الرجـال مهابــة وجلالا

فهي اللسان لمـن أراد فصـاحة وهي السـلاح لمن أراد قتـــالا

وصل بنا التجوال إلى الساحة الحمراء، وكان الحديث دائماً – تقريباً – عن النظام والمخابرات والقمع والخوف. وفي هذا السياق، قص لي حادثة مريعة...

بعد منتصف إحدى الليالي، طُرق بابُ شقته، وعندما فتح الباب وجد ثلاثة أشخاص بلباس مدني. قالوا له إن "المعلم" يريد رؤيته. عندما استفسر عن المعلم، أوضحوا له أن رئيس أحد فروع المخابرات. طلب منهم أن يسمحوا له بارتداء ملابسه، فسمحوا له. لم يتكلموا معه أبداً ولم يهينوه. وعندما وصل إلى مكتب المعلم، أخبره الأخير أن أحد المهندسين قدّم مخططا لبناء سيارة وطنية خالصة، من ألِفها إلى يائها. وطلب المعلم منه أن يدرس ذلك المخطط، ويتبيّن ما إذا كانت مبتكرةً فعلاً أو أن مكوناتها مسروقة من سيارات أخرى وممنتجة.

وعندما انتهى من السرد، اقترب مني بشدة، ودفع بفمه نحو أذني اليمنى، وقال: ولك يا رجل،،،

ابتعدت عنه قليلاً وأنا أضحك، وقلت له:

- ولك يا رجل!!! أنت في الساحة الحمراء في موسكو،،،، والله يكفي حافظ الأسد فخراً أن السوريين يخافون أن يذكروه أو يذكروا نظامه بسوء، وهم على بعد آلاف الكيلومترات!!!